هوكي الجليد : لبنان يُتوَّج في الدوحة، والمغتربون يرفعون الراية

ثمة انتصارات تُحدث ضجيجاً، وأخرى تحمل معنى. انتصار لبنان في الدوحة ينتمي إلى الفئتين معاً. سبعة أهداف مقابل هدفين في نهائي بطولة قطر للهوكي، وكأس مرفوعة تحت سماء الخليج، وخلف هذه النتيجة ما هو أعمق من الرياضة: قصة مغتربين حوّلوا الحنين إلى زلاجات، والغربة إلى طموح، والانتماء إلى وطن في سبباً للقتال على الجليد.

المغتربون : روح الفريق ومحركه

خلف هذا الأداء حقيقة يعرفها جيداً متابعو الرياضة اللبنانية في الخارج: إن أبناء الاغتراب هم من يُحيون هوكي الجليد اللبناني. ففي لبنان، لا تزال حلبات التزلج غائبة، والبنية التحتية شبه معدومة، ولا تتوفر الظروف لممارسة هذه الرياضة على الأرض اللبنانية. غير أن في الخارج، استبدل آلاف اللبنانيين كرة القدم بالزلاجات، وتعلموا الهوكي في صالات كندا وأوروبا والخليج، وأسسوا تدريجياً هوية جماعية حول هذا الشغف المشترك.

في الدوحة، لم يلعب هذا الفريق من أجل رفع كأس فحسب. بل تزلّج وعلى صدره علم، وفي رأسه وطن. كل مواجهة، وكل تمريرة، وكل هدف أُحرز كان يحمل ما هو أكبر من النتيجة: كبرياء شعب يلتقي تحت سماوات بعيدة، ويأبى أن ينسى من أين جاء.

الأمير : “أبطال، منضبطون، لا غبار عليهم”

لم يسعَ شارل الأمير، رئيس الاتحاد اللبناني لهوكي الجليد، إلى إخفاء مشاعره خلف صياغات بروتوكولية. جاءت كلماته عفوية، كلمات من يعيش هذه المغامرة من الداخل. قال إنه “سعيد جداً وفخور جداً”، مثنياً على “عمل جميل” أنجزه “شباب وقادة رائعون”. وصفهم بـ”الأبطال”، بالرجال “المنضبطين” و”التي لا غبار عليهم”. كلمات بسيطة لكنها تصيب الهدف: تصف غرفة تغيير متماسكة، ومجموعة راسخة، وفريقاً لم يُجرفه يوماً تيار الضوضاء والإثارة.

وتكشف هذه الكلمات في طياتها ما يجري فعلاً داخل هذا الفريق: تلاحم نادر، ووعي جماعي، وقناعة بأن ثمة شيئاً مهماً يُبنى، حتى على حلبة جليد تبعد آلاف الكيلومترات عن بيروت.

انتصار بوصفه رافعة، لا غاية في حد ذاته

بيد أن ما يؤكده الأمير يتجاوز الاحتفال. فهذا البطولة ليست غاية بذاتها، بل مرحلة ضمن استراتيجية بعيدة المدى، تعتمد منطقاً شبيهاً بالنهج الأمريكي الشمالي في إدارة الرياضة: الفوز في الخارج لإقناع الداخل. تراكم النتائج الدولية لبناء الشرعية. توحيد صفوف المغتربين لتوسيع القاعدة. استقطاب الشركاء والرعاة لتمويل الطموحات.

والهدف الأسمى؟ إيجاد هوكي الجليد على الأرض اللبنانية. بناء مجمع رياضي متعدد التخصصات يُتيح يوماً ما لجيل جديد أن يكتشف الجليد دون الاضطرار إلى مغادرة البلاد. مشروع طموح مشروط بالاستقرار الاقتصادي والسياسي، لكنه مشروع حقيقي، مرسوم الملامح، معلن الأهداف.

لذا فإن الدوحة ليست هامشاً سعيداً في تقويم مزدحم. إنها إثبات وجود. بطاقة تعريف. رسالة إلى من لم يكونوا ينتبهون: الهوكي اللبناني موجود، يفوز، ولديه ما يبنيه.

لا مكان للتجاهل بعد اليوم

كانت البطولة أيضاً مناسبة لتوجيه الشكر لكل من يُتيح هذه المغامرة في الخفاء — المشجعون الذين يتابعون من بعيد كأنهم واقفون على حافة الملعب، الرعاة الذين يؤمنون بالمشروع، المتطوعون الذين يعملون حين تتحول الكاميرات بعيداً. في رياضة تُكلّف كل شيء — الجليد والتنقلات والمعدات والوقت — يحتل الكواليس مكانة تساوي مكانة الهدف الحاسم.

إذن، نعم: للبنان منتخب وطني لهوكي الجليد. وبعد الدوحة، لم يعد السؤال ما إذا كان يستحق الوجود. السؤال الآن: إلى أين يمكن أن يصل؟ وبالنظر إلى طريقة لعبه في العاصمة القطرية، فإن الجواب قد يُفاجئ أشد المشككين عناداً.

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading