ميناء بيروت في فبراير 2026 : بين التجديد والطموحات الاستراتيجية

بعد نحو خمس سنوات ونصف على الانفجار المزدوج المدمر في الرابع من أغسطس 2020، يشهد ميناء بيروت في مطلع عام 2026 ديناميكية تحول عميقة. فهذا الميناء الذي يُعدّ الرئة الاقتصادية التاريخية للبنان — إذ يستوعب 85% من حركة الحاويات، و73% من الواردات، ونصف الصادرات — يستعيد أنفاسه وطموحاته في ظل مشهد سياسي وإقليمي يمرّ بمرحلة إعادة تشكّل جوهرية.

دفعة مؤسسية قوية

في الثالث عشر من فبراير 2026، جرى توقيع حدث رمزي وعملي في آنٍ واحد: مذكرة تفاهم بين مدير عام ميناء بيروت مروان النافع ورئيس مجلس الإنماء والإعمار محمد قباني. يرسي هذا النص إطاراً قانونياً وإدارياً للتعاون بين هيئة الميناء والمجلس، مما يفتح الباب أمام سلسلة من المشاريع الكبرى.

ومن بين الأعمال المتفق عليها، إنشاء خط لوجستي يربط ميناء بيروت بالحدود اللبنانية السورية عبر سهل البقاع، إلى جانب إنشاء ميناء جافّ في البقاع لتعزيز التكامل اللوجستي الإقليمي. رؤية تتجاوز مجرد إعادة هيكلة الميناء لتضع بيروت في صميم سلسلة تموين إقليمية أشمل — وهو توجه استراتيجي يكتسب أهمية مضاعفة في ظل بدء سوريا مرحلة انتقالية سياسية منذ نهاية عام 2024.

على الصعيد التشغيلي، ستُعاد هيكلة المداخل والمخارج القائمة، وسيُنشأ مدخل رابع يُعرف بـ”البوابة 16″، بهدف تحسين سيولة حركة المرور وتسهيل دخول الشاحنات وخروجها، وبالتالي تسريع تدفق البضائع من وإلى الميناء، مما سيكون له أثر إيجابي على الاقتصاد الوطني.

ميناء يعمل على مدار الساعة

ثمة جديد آخر أُعلن عنه في هذا الشهر: سيفتح الميناء أبوابه يومياً ابتداءً من منتصف الليل وحتى الساعة الخامسة مساءً، وذلك بالتنسيق مع الجمارك والاستخبارات العسكرية والأمن العام. قد يبدو هذا التمديد في ساعات الاستغلال أمراً عادياً، غير أنه يمثل في الواقع تحولاً جوهرياً للمشغلين الاقتصاديين الذين عانوا سنوات من التأخير والاكتظاظ المزمنَين.

تكشف هذه الإعلانات عن استعادة تدريجية للسيطرة على المنظومة الميناوية، في لبنان نجح أخيراً في انتخاب رئيس للجمهورية في يناير 2025، منهياً بذلك عامَين من الفراغ الرئاسي، ويسعى اليوم إلى استئناف علاقاته مع الشركاء الدوليين والجهات المانحة.

إعادة الإعمار : ورشة لا تزال تحت الضغط

خلف هذه المؤشرات الإيجابية، يبقى ملف إعادة الإعمار العميق للميناء شأناً بالغ التعقيد. فصوامع الحبوب المتهالكة جزئياً لا تزال الرمز الأكثر وضوحاً لدمار الرابع من أغسطس 2020، ويتواصل الجدل حول مصيرها — هدماً أم حفاظاً عليها ذاكرةً للتاريخ أم إعادة بناء.

ويرتكز المسار الفرنسي-اللبناني، الذي طوّرته شركتا الهندسة الفرنسيتان أرتيليا وإيجيس بتمويل من الحكومة الفرنسية، على ثلاثة محاور: إعادة بناء الأرصفة المتضررة، وإعادة تنظيم تخطيط الميناء لتسهيل حركة المرور، وتوجيه المنشأة نحو الطاقة الشمسية. وتتراوح تكلفة هذا المخطط بين 60 و80 مليون دولار، يُفترض تمويلها جزئياً من عائدات الميناء ذاته — التي بلغت 150 مليون دولار عام 2023 — ومن المساهمات الخارجية.

وتبقى فرنسا شريكاً محورياً لا غنى عنه؛ إذ تعتبر باريس إعادة إعمار ميناء بيروت أولوية وركيزة أساسية في إطار التعاون الفرنسي-اللبناني، وقد ضخّت بالفعل ملايين اليوروهات في إعادة تشغيل هذه البنية التحتية. بيد أنها ليست الوحيدة في الميدان؛ إذ تظل المنافسة الدولية على التأثير في مستقبل الميناء محتدمة، وتتشابك فيها المصالح الاقتصادية والاعتبارات الجيوسياسية في ملف بالغ الحساسية.

رهانٌ جيوسياسي من الدرجة الأولى

ذلك أن ميناء بيروت ليس مجرد بنية تحتية تجارية؛ فإعادة بنائه وتحديثه يتقاطع مع رهانات نفوذ إقليمية معقدة. وقد أكد مدير الميناء أن مجلس الإنماء والإعمار مدعوٌّ للضطلاع بدور محوري في إعادة الإعمار، وأن ميناء بيروت مرشّح ليصبح مركزاً استراتيجياً للنقل البحري في المنطقة بأسرها.

في سياق يسعى فيه لبنان إلى إعادة تموضعه بعد سنوات من الشلل السياسي والانهيار الاقتصادي والصراع المسلح في الجنوب، يمثل الميناء أحد أبرز الرافعات الملموسة لنهوض محتمل. ويُشكّل تحديثه أيضاً رسالةً موجَّهة إلى المستثمرين الأجانب مفادها: إن لبنان منفتح من جديد، قادرٌ على إدارة بنيته التحتية، ومستعدٌّ للانخراط في شراكات مستدامة.

لا يُمثّل فبراير 2026 نهاية ورشة، بل يُجسّد تسارعاً في وتيرتها. فبعد سنوات من الوعود غير المنجزة، والملفات المجمّدة، والخلافات السياسية، تبدو الأحجار الأولى لنهضة حقيقية قد وُضعت أخيراً. وميناء بيروت، هذا الجرح المفتوح في خاصرة المدينة منذ انفجار 2020، يتطلع إلى استعادة ما كان عليه دائماً: القلب النابض للبنان المتطلع نحو البحر ونحو العالم.

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading