القوات البحرية الخاصة الروسية والإيرانية خلال مناورة مشتركة تحاكي تحرير سفينة مختطفة في مضيق هرمز، 19 فبراير 2026.
بينما تمرّ المفاوضات بشأن البرنامج النووي الإيراني بمرحلة حاسمة، تحتلّ روسيا موقعًا فريدًا: شريك استراتيجي لطهران، لكنه يؤدي خلف الكواليس دورًا أكثر تعقيدًا مما يبدو. بين المصالح الاقتصادية، والحسابات الجيوسياسية، والتنافسات الإقليمية، تدعم موسكو إيران بيد، وتعرقل الاتفاق باليد الأخرى.
في سبتمبر 2025، توجّه محمد إسلامي، رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية، إلى موسكو. وكان على جدول أعماله توقيع اتفاق ينص على بناء ثمانية مفاعلات نووية على الأراضي الإيرانية — التزام ضخم، قُدّم كإشارة واضحة على التضامن الروسي-الإيراني في ظل ضغوط عسكرية ودبلوماسية متزايدة. لكن قبل أسابيع قليلة فقط، كانت ضربات إسرائيلية قد استهدفت المنشآت النووية الإيرانية، فيما اكتفت موسكو بإصدار بيانات رسمية دون اتخاذ أي إجراء عملي.
هذا التباين بين الإشارات الاستعراضية والتردد في اللحظة الحاسمة يكشف جوهر الغموض في الموقف الروسي ضمن ملف إيران النووي.
تحالف الضرورة الناتج عن العزلة المشتركة
منذ الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير 2022، تعززت العلاقات بين موسكو وطهران بشكل غير مسبوق. فقد زوّدت إيران روسيا بآلاف الطائرات المسيّرة، والقنابل الموجهة، والذخائر المدفعية، والصواريخ الباليستية قصيرة المدى. في المقابل، بدأت روسيا بتقديم مستوى غير مسبوق من التعاون الدفاعي لإيران، خاصة في مجالات الصواريخ، والإلكترونيات، وأنظمة الدفاع الجوي.
وامتد هذا الاعتماد المتبادل بطبيعة الحال إلى المجال النووي المدني. فقد بدأت الشراكة الروسية-الإيرانية في هذا القطاع عام 1992، وتوسعت تدريجيًا. وأصبحت محطة بوشهر النووية، الأولى في الشرق الأوسط، رمزًا لهذه العلاقة. واليوم، يشكّل هذا المحور أحد أعمدة مقاومة البلدين للعقوبات الغربية.
المعضلة الروسية : لا اتفاق ولا مواجهة
السؤال الحقيقي هو: ماذا تريد موسكو فعليًا لإيران؟ والإجابة، في جوهرها، متناقضة. السيناريو المثالي لروسيا يتمثل في استمرار المفاوضات بين طهران وواشنطن إلى أجل غير مسمى دون التوصل إلى اتفاق نهائي.
إن رفع العقوبات عن إيران لا يخدم مصالح الكرملين. فعودة إيران إلى الاقتصاد العالمي ستجعل منها منافسًا قويًا في سوق الطاقة، وهو القطاع الذي تعتمد عليه روسيا بشكل أساسي. والأسوأ من ذلك، أن إيران التي تتحرر من عزلتها لن تبقى مضطرة للاعتماد على روسيا كشريك استراتيجي شبه وحيد.
في المقابل، فإن فشل المفاوضات بالكامل يشكّل أيضًا خطرًا على موسكو، إذ قد يدفع الولايات المتحدة إلى خيار عسكري. وأي ضربات جوية من شأنها زعزعة استقرار إيران، مع احتمال انزلاقها إلى الفوضى أو التفكك. وإيران غير مستقرة على الحدود الجنوبية لروسيا تمثل تهديدًا استراتيجيًا لا يمكن للكرملين تحمّله.
وسيط انتهازي
ضمن هذا الهامش الضيق، تحاول روسيا التموضع كوسيط. ففي يونيو 2025، وخلال اتصال مع دونالد ترامب، أعرب فلاديمير بوتين عن استعداده للمساعدة في تسهيل اتفاق. لكن الرسائل الموجّهة إلى طهران كانت مختلفة. فقد ضغط بوتين على الإيرانيين لقبول اتفاق يقوم على «صفر تخصيب». وهو طرح رفضته طهران بشكل قاطع.
وقد أثار هذا الموقف استياء الإيرانيين، خاصة بالنظر إلى الدعم العسكري الكبير الذي قدمته إيران لروسيا خلال حربها في أوكرانيا. وخلال وبعد الحرب التي استمرت اثني عشر يومًا بين إسرائيل وإيران، شعر الإيرانيون بخيبة أمل من الدعم الروسي الذي اقتصر على المواقف السياسية دون خطوات عملية.
هذا البرود المدروس يكشف حقيقة الاستراتيجية الروسية: الحفاظ على موقعها كطرف لا غنى عنه في أي تسوية، دون الالتزام الكامل بأي طرف.
الطاقة النووية المدنية : أداة نفوذ جيوسياسي
في المقابل، تنشط موسكو بقوة في مجال التعاون النووي المدني. فمن خلال بناء مفاعلات نووية في إيران، تضمن روسيا حضورًا طويل الأمد في قطاع الطاقة الإيراني، بغض النظر عن مصير المفاوضات السياسية.
في سبتمبر 2025، وقّعت إيران اتفاقًا بقيمة 25 مليار دولار مع روسيا لبناء أربعة مفاعلات نووية في منطقة سيريك، بطاقة إجمالية تقدّر بـ5 غيغاواط. ويأتي ذلك ضمن خطة إيرانية لرفع القدرة النووية إلى 20 غيغاواط بحلول عام 2040 — وهو مشروع ستكون روسيا المستفيد الرئيسي منه.
حياد محسوب
تعتمد الاستراتيجية الروسية تجاه إيران على توازن دقيق: الاستفادة من عزلة طهران دون السماح بانهيارها أو تحررها الكامل.
فلا سلام كامل يحرر إيران من الاعتماد على موسكو، ولا حرب شاملة تزعزع استقرار المنطقة.
تسعى روسيا إلى لعب دور الموازن، والوسيط، والشريك الذي لا يمكن الاستغناء عنه. لكن هذا التوازن هشّ. فقد أدركت إيران أن حليفها الروسي لن يضحي بمصالحه من أجلها. وفي المقابل، قد تسعى واشنطن إلى تجاوز موسكو عبر مفاوضات مباشرة مع طهران.
وفي حال حدوث ذلك، قد تجد روسيا نفسها مجرد متفرج على اتفاق لم تصغه، في منطقة كانت تعتقد أنها تسيطر على مفاتيحها الاستراتيجية.
