لقد قاد الجمهورية الإسلامية الإيرانية منذ عام 1989، مجسّدًا نظامًا قام على المقاومة والقمع والتحدي للغرب. في 28 فبراير/شباط 2026، قُتل آية الله علي خامنئي، المرشد الأعلى للثورة الإسلامية، في غارات جوية مشتركة أميركية–إسرائيلية استهدفت طهران. زلزال جيوسياسي لا تزال تداعياته غير قابلة للتنبؤ.
موت أُعلن في دويّ القنابل
في 28 فبراير/شباط 2026، أطلقت الولايات المتحدة وإسرائيل عملية عسكرية مشتركة ضد إيران، استهدفت مدنًا إيرانية كبرى، من بينها العاصمة طهران. وقد دُمّر “بيت القيادة”، المقر الرسمي لمرشد الثورة، خلال هذه الغارات.
في الساعات التي أعقبت الهجوم، سادت حالة من الارتباك. إذ أكدت إيران في البداية أن خامنئي «بخير وسلامة»، حتى بعد أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مقتله. ولم تعترف طهران رسميًا بما حدث إلا في ليلة الأول من مارس/آذار، حين أعلنت وسائل الإعلام الرسمية أن خامنئي «استُشهد» خلال الهجوم المشترك الأميركي–الإسرائيلي، بعدما استهدفته ضربة في مكتبه أثناء تأديته مهامه.
36 عامًا على رأس نظام حديدي
علي حسيني خامنئي، المولود في 19 أبريل/نيسان 1939، كان المرشد الأعلى الثاني لإيران، خلفًا لآية الله الخميني عام 1989. وقد جعلته فترة حكمه التي امتدت 36 عامًا ونصف العام أطول رئيس دولة بقاءً في السلطة في الشرق الأوسط عند وفاته.
خلال عهده، أعاد خامنئي تشكيل الجهاز العسكري وشبه العسكري للجمهورية الإسلامية، ولا سيما الحرس الثوري، الذي تحوّل إلى أداة للسيطرة الداخلية وبسط النفوذ الإقليمي. وتحت قيادته، دعمت إيران شبكة واسعة من الميليشيات في أنحاء الشرق الأوسط — حماس في فلسطين، حزب الله في لبنان، والحوثيين في اليمن — ضمن ما كان يسميه «محور المقاومة» في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة.
غير أن هذا الحكم اتسم أيضًا بقمع داخلي شديد. فقد قُتل أكثر من 7,000 شخص خلال أسابيع من الاحتجاجات التي اندلعت في أواخر ديسمبر/كانون الأول 2025، وفقًا لوكالة أنباء حقوق الإنسان الإيرانية. وتشير تقارير إلى أن هذه المجازر صدرت بأوامر مباشرة من خامنئي، وبموافقة كبار مسؤولي الدولة.
تسلسل الأحداث القاتل
جاء مقتل خامنئي تتويجًا لتصعيد متسارع. ففي يونيو/حزيران 2025، شنّت إسرائيل غارات على المنشآت النووية الإيرانية الرئيسية، أسفرت عن مقتل علماء وجنرالات. وردّت إيران، وتبادل الطرفان عدة أيام من إطلاق الصواريخ. وفي 21 يونيو/حزيران 2025، قصفت الولايات المتحدة ثلاثة مواقع لتخصيب اليورانيوم في إيران.
وقد لجأ خامنئي، الذي بدا معزولًا ومثقلًا بالاحتجاجات الشعبية في مختلف أنحاء البلاد، إلى ملاجئ تحت الأرض. وكان ملجؤه عميقًا إلى حد أن المصعد كان يستغرق أكثر من خمس دقائق للوصول إليه، ما جعل فرص استهدافه نادرة للغاية. لكن أجهزة الاستخبارات الأميركية تابعت تحركاته بدقة، إلى أن حددت توقيت اجتماع لكبار المسؤولين الإيرانيين كان سيحضره شخصيًا.
عالم منقسم أمام الخبر
كشفت ردود الفعل الدولية فورًا عن انقسامات عميقة في النظام العالمي. فقد وصف الرئيس الأميركي دونالد ترامب خامنئي بأنه «أحد أكثر الرجال شرًا في التاريخ»، فيما رحّب الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي بـ«تصفية» المرشد الإيراني. في المقابل، اعتبر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن مقتله «جريمة ارتُكبت في انتهاك صارخ لكل معايير الأخلاق الإنسانية والقانون الدولي».
أما داخل إيران، فقد جاءت ردود الفعل متباينة. فقد أظهرت صور أنصاره وهم يبكون في مرقد الإمام الرضا في مشهد، بينما اندلعت احتفالات في مدن أخرى مثل كرج وأصفهان. وفي باكستان، ذات الغالبية الشيعية الكبيرة، خرجت مظاهرات في عدة مدن كبرى، أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 20 شخصًا.
إيران أمام المجهول
تم تشكيل مجلس ثلاثي يضم الرئيس ورئيس السلطة القضائية وأحد فقهاء مجلس صيانة الدستور لإدارة المرحلة الانتقالية إلى حين انتخاب مرشد أعلى جديد. وأعلنت إيران الحداد الوطني لمدة 40 يومًا.
إن موت خامنئي يطوي صفحة 36 عامًا من التاريخ، لكنه يفتح في المقابل مرحلة من الغموض العميق. ويبدو أن غيابه قد يدفع الجمهورية الإسلامية إلى أخطر أزمة منذ تأسيسها عام 1979. ويبقى السؤال المحوري: من، وأي نظام، سيخرج من هذا المشهد المضطرب؟ الإجابة عن هذا السؤال سترسم ملامح الشرق الأوسط لسنوات طويلة قادمة.
