مع اقتراب حلول شهر رمضان المبارك، المتوقع أن يبدأ قرابة 18 شباط/فبراير 2026، يتسلّل قلق مألوف إلى البيوت اللبنانية. فإلى جانب الاستعداد الروحي للصيام، تفرض هواجس أكثر قسوة نفسها على يوميات اللبنانيين، في مقدّمها الخشية من موجة جديدة من ارتفاع أسعار المواد الغذائية، في بلد أنهكته الأزمات الاقتصادية المتلاحقة. وبالنسبة إلى ملايين اللبنانيين، يبدو أن رمضان 2026 قد يتحوّل إلى اختبار قاسٍ للبقاء الاقتصادي، بقدر ما هو محطة روحية.
تضخم غذائي لا يزال مرتفعًا
أرقام إدارة الإحصاء المركزي واضحة ولا تحتمل التأويل: بلغ معدل التضخم الغذائي 14.64% في كانون الأول/ديسمبر 2025. ورغم أن هذا المعدل يعكس تباطؤًا نسبيًا مقارنة بذروات سابقة، إلا أنه يبقى خانقًا للأسر ذات المداخيل الراكدة.
ومنذ عام 2019، سجّل التضخم الغذائي التراكمي نسبة صادمة بلغت 30,979%. وبالترجمة العملية، فإن سلة غذائية كانت تكلّف 100 ألف ليرة لبنانية في 2019، بات ثمنها اليوم يتجاوز 31 مليون ليرة.
رمضان… موسم تقليدي لارتفاع الأسعار
تقليديًا، يشهد شهر رمضان في لبنان، كما في العديد من الدول الإسلامية، زيادة ملحوظة في الاستهلاك الغذائي. موائد الإفطار، ولمّ الشمل العائلي، وثقافة الكرم والضيافة، جميعها ترفع الطلب على المواد الغذائية، ما يؤدي عادةً إلى ارتفاع الأسعار حتى في الظروف الاقتصادية الطبيعية.
غير أن هذه الظاهرة الموسمية، في ظل الواقع الاقتصادي الحالي، تثير مخاوف مضاعفة. تقول فاطمة، وهي أم لأربعة أطفال في طرابلس: «التجار يستغلّون رمضان دائمًا لرفع الأسعار، لكن هذا العام الوضع أخطر. الرواتب لم ترتفع، والأسعار أصلًا خيالية. لا أعرف كيف سنتمكّن من الصمود».
عوامل ضاغطة إضافية
تتداخل عدة عوامل لتغذية هذه المخاوف. فقد أدّت الفيضانات الأخيرة في منطقة عكار إلى تضرر الإنتاج الزراعي المحلي، ما قلّص حجم العرض في توقيت حساس يسبق ارتفاع الطلب. ويعزّز ذلك اعتماد لبنان المتزايد على الاستيراد، الذي يغطّي نحو 80% من حاجاته الغذائية.
في موازاة ذلك، تواصل الاضطرابات الإقليمية الضغط على سلاسل الإمداد، فيما تعني الدولرة شبه الكاملة للاقتصاد، مع سعر صرف يقارب 89,500 ليرة للدولار الواحد، أن أي تقلب في الأسعار العالمية ينعكس مباشرة على المستهلك اللبناني.
اتساع الشرخ الاجتماعي
يُبرز اقتراب شهر رمضان الانقسام العميق داخل المجتمع اللبناني. فالأسر التي تتقاضى مداخيلها بالعملات الأجنبية، أو التي تتلقى دعمًا من المغتربين، لا تزال قادرة نسبيًا على الحفاظ على نمط استهلاكها، وإحياء تقاليد رمضان بموائد عامرة ودعوات متبادلة.
في المقابل، تعاني الفئات الأكثر هشاشة، المعتمدة على رواتب بالليرة اللبنانية، من وطأة الأزمة بشكل مباشر. فالحد الأدنى للأجور، بعد رفعه إلى 28 مليون ليرة (نحو 319 دولارًا)، لا يكفي لتغطية الحاجات الأساسية. إذ بات متوسط كلفة السلة الغذائية الأسبوعية لعائلة واحدة نحو 3.9 ملايين ليرة، أي أكثر من ثلث الحد الأدنى للأجر الشهري مقابل أسبوع واحد فقط من التسوق.
استراتيجيات قاسية للبقاء
أمام هذا الواقع، تلجأ العائلات إلى استراتيجيات تكيّف مؤلمة. فبعضها يقلّص كميات الشراء إلى الحد الأدنى، فيما يستبدل آخرون المواد الأساسية ببدائل أرخص وأقل قيمة غذائية. وفي الوقت نفسه، يتزايد عدد المستفيدين من المساعدات الغذائية، حيث توزّع الجمعيات الخيرية والمؤسسات الدينية طرودًا غذائية على مئات الآلاف من المحتاجين.
ويعلّق أحد العاملين الاجتماعيين في بيروت بمرارة: «بالنسبة لكثير من اللبنانيين، لم يعد صيام رمضان خيارًا تعبديًا فحسب، بل تحوّل إلى ضرورة اقتصادية». واقع يعيد تشكيل معنى هذا الشهر وتجربته لدى شريحة واسعة من المجتمع.
ترقّب وقلق
مع تبقّي أسابيع قليلة على حلول رمضان، تتجه الأنظار إلى حكومة رئيس الوزراء نواف سلام، بين أمل حذر وتشكيك عميق. فعلى الرغم من الوعود بتحسين البنى التحتية وتشديد الرقابة على الأسعار، يشكّك كثيرون في قدرة الدولة على حماية القدرة الشرائية للفئات الأضعف.
وإلى أن تتضح الصورة، تسود أجواء من التوتر في الأسواق والمتاجر اللبنانية. عائلات تراقب الأسعار يوميًا، تحسب ميزانياتها مرارًا، وتحاول توقّع ما لا يمكن توقّعه. بالنسبة لهؤلاء، لا يبدو رمضان 2026 شهر طمأنينة روحية، بل اختبارًا جديدًا للصمود في أزمة تبدو بلا نهاية.
