أُسدل الستار على النسخة الثالثة من معرض الدفاع العالمي، أكبر معرض دفاعي في الشرق الأوسط. وعلى مساحة تمتد إلى 800 ألف متر مربع على مشارف العاصمة السعودية، عرض 925 عارضاً من 80 دولة أحدث ابتكاراتهم العسكرية أمام نحو 130 ألف زائر. غير أنّ الكواليس لم تكن محصورة بعروض الأسلحة والتقنيات، إذ طغت الحسابات الجيوسياسية الإقليمية على المشهد، وكان لبنان أحد أبرز ملفاتها.
توقيت حاسم لبيروت
تأتي المشاركة اللبنانية في هذا المعرض في لحظة مفصلية. ففي كانون الأول/ديسمبر 2025، التقى قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل في باريس الموفدين الخاصين الأميركي والفرنسي والسعودي. وأسفرت هذه اللقاءات عن إعلان عقد مؤتمر دولي لدعم الجيش اللبناني في شباط/فبراير 2026، بهدف مساندة خطة «الدرع الوطني» لنزع سلاح الميليشيات، وفي مقدّمها حزب الله.
بالنسبة إلى الجيش اللبناني، المنهك بعد سنوات من الانهيار الاقتصادي وحرب مدمّرة مع إسرائيل انتهت بوقف إطلاق النار في تشرين الثاني/نوفمبر 2024، يشكّل هذا المؤتمر شريان حياة حقيقياً. فالدولة تحتاج بصورة ملحّة إلى تجهيزات وتدريب وتمويل لإعادة تثبيت احتكارها لاستخدام القوة.
معضلة نزع سلاح حزب الله
يبقى ملف نزع سلاح الميليشيا الشيعية محور التوترات كافة. فقد وضع وقف إطلاق النار في 26 تشرين الثاني/نوفمبر 2024 حدّاً لأكثر من عام من المواجهات التي أضعفت حزب الله بشكل ملحوظ، إلا أنّ الخروقات لا تزال مستمرة من الجانبين. وتواصل إسرائيل ضرباتها في جنوب لبنان، معتبرة أن الجيش اللبناني لا يفي بالتزاماته.
أما المهلة المحددة في 31 كانون الأول/ديسمبر 2025 لاستكمال نزع السلاح جنوب نهر الليطاني، فلم تُحترم عملياً. ويرفض حزب الله، رغم خسائره، تسليم سلاحه بشكل قاطع، مستنداً إلى دوره «المقاوم» الذي يعتبره مكفولاً دستورياً. ويجد الجيش اللبناني نفسه أمام معادلة شبه مستحيلة: نزع سلاح ميليشيا تفوقه تسليحاً، مع تجنّب مواجهة قد تعيد البلاد إلى أتون حرب أهلية.
السعودية لاعب أساسي في الملف اللبناني
يشكّل الحضور المتجدّد للرياض في الشأن المشرقي تحوّلاً استراتيجياً. فبعد سنوات من التوتر نتيجة النفوذ المتعاظم لحزب الله، تعتمد المملكة العربية السعودية مقاربة انفتاح حذرة تجاه بيروت، مستفيدة من تراجع إيران ومحور «المقاومة».
وكان وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان قد زار بيروت في كانون الثاني/يناير الماضي، في أول زيارة من نوعها منذ خمسة عشر عاماً. وجاءت الرسالة واضحة: استمرار الدعم السعودي للبنان مشروط بإصلاحات بنيوية حقيقية واستعادة الدولة سيطرتها على كامل أراضيها.
دروس معرض الدفاع العالمي
سلّط المعرض الضوء على اتجاهات مفصلية بالنسبة إلى لبنان. فالمنطقة المخصصة للأنظمة الذاتية، بما ضمّته من مئات الطائرات المسيّرة التي عرضتها شركات صينية وروسية وتركية وغربية، أكدت الأهمية الاستراتيجية لهذه التقنيات. وباتت قدرات مواجهة المسيّرات أولوية ملحّة للجيش اللبناني، في ظل التحليق الإسرائيلي المستمر والطائرات المسيّرة التابعة لحزب الله.
كما عكست الصناعة الدفاعية السعودية، ممثلة بشركة «سامي» التي عرضت أكثر من 60 نظاماً وطنياً، طموح المملكة لتوطين 50% من إنفاقها العسكري. في المقابل، يوفّر الصعود التركي، عبر مسيّرات «بيرقدار» والمدرعات، بدائل قد تكون أقل كلفة من العتاد الغربي التقليدي.
تحديات بنيوية مستمرة
بعيداً عن التمويل، يواجه الجيش اللبناني تحديات جوهرية. فالرواتب التي لا تتجاوز عملياً 100 دولار شهرياً نتيجة انهيار الليرة، تؤدي إلى نزيف في العديد والكوادر. أما العتاد فمتقادم: مروحيات متوقفة عن الخدمة، دبابات عتيقة، ومنظومات دفاع جوي شبه معدومة.
وقد تُختبر الشرعية السياسية للجيش، باعتباره آخر مؤسسة جامعة في بلد منقسم، في حال كُلّف بمهمة نزع سلاح حزب الله. وفي هذا السياق شديد الحساسية، سيكون على مؤتمر شباط/فبراير إيجاد توازن دقيق بين تعزيز القدرات العسكرية وتفادي انفجار داخلي مبكر.

نافذة فرصة هشة
كشف معرض الدفاع العالمي 2026 عن شرق أوسط في طور إعادة التشكل. ويمنح تراجع إيران عقب الضربات الإسرائيلية–الأميركية في حزيران/يونيو 2025 لبنان فرصة تاريخية لاستعادة سيادته. غير أنّ هذه الفرصة محفوفة بمخاطر جسيمة: فإدارة انتقال سيئة قد تعيد البلاد إلى الفوضى، فيما سيؤدي الفشل في تكريس احتكار الدولة للسلاح إلى ترسيخ صورة لبنان كدولة فاشلة. بين وعود الدعم الدولي وتعقيدات الجغرافيا السياسية، يبقى طريق الاستقرار طويلاً ومليئاً بالعقبات.
