في نظام يدّعي التقشف والثورية والنزاهة الأخلاقية، يبقى الحديث عن ثروات النخبة من المحرمات. إلا أن الكشوفات الأخيرة المتعلقة بمجتبى خامنئي تُزعزع هذه الرواية الرسمية. فالرجل الذي يُقدّم الآن على أنه المرشد الأعلى الجديد لإيران، يجد نفسه في قلب تحقيقات تُشير إلى ثروة طائلة، جُمعت في ظل نفوذ ديني.
لعقود طويلة، اعتمدت الجمهورية الإسلامية الإيرانية على خطاب مناهض للفساد ومعادٍ للغرب، منددةً بالنخب “المنحطة” وتجاوزات الرأسمالية. لكن خلف هذه الواجهة الأيديولوجية، ترسخ نظامٌ غامضٌ تدريجيًا، يمزج بين السلطة السياسية والشبكات الاقتصادية والهياكل المالية التي يصعب تتبعها. يجسد مجتبى خامنئي هذا الغموض اليوم: رجلٌ متحفظ، ظلّ بعيدًا عن الأضواء لفترة طويلة، لكن نفوذه نما باطراد على مر السنين.
ووفقًا لعدة تحقيقات صحفية، فإن جزءًا كبيرًا من ثروته يأتي من شبكة واسعة من الشركات الوهمية، مما يسمح له بإخفاء أصوله في الخارج. عقارات فاخرة، وحصص في شركات استراتيجية، واستثمارات في قطاعات ذات قيمة مضافة عالية: تشير هذه العناصر إلى هيكلة ثروة متطورة، بعيدة كل البعد عن صورة الزعيم الديني المنفصل عن الممتلكات المادية.
وتبدو أوروبا والشرق الأوسط منطقتين رئيسيتين في هذا الهيكل المالي. تشير التقارير إلى رصد عقارات في لندن، المدينة التي تحظى بشعبية لدى النخب العالمية لما تتمتع به من استقرار قانوني وسوق عقاري جاذب. وفي دبي، مركز مالي رئيسي آخر، تعزز الفيلات الفاخرة والأصول العقارية الشكوك حول تحقيق مكاسب مالية طائلة. هذه الاستثمارات ليست بالهينة، فهي تعكس رغبة في تأمين رؤوس الأموال خارج الأراضي الإيرانية، في مناطق توفر السرية والحماية.
لا يقتصر هذا النوع من الاستراتيجيات على مجتبى خامنئي، بل هو جزء من نمط أوسع، يميز العديد من الأنظمة الاستبدادية أو الهجينة، حيث تستخدم دوائر السلطة هياكل موازية لتكديس ثرواتها وحمايتها. وفي إيران، تبرز هذه الديناميكية بشكل أكبر لأن الاقتصاد يخضع لسيطرة المؤسسات الدينية والكيانات شبه الحكومية، التي غالباً ما تكون معفاة من الشفافية والرقابة الديمقراطية.
لكن ما يميز حالة مجتبى خامنئي هو التناقض الصارخ بين الخطاب الرسمي والممارسات المزعومة. كيف يمكن التوفيق بين خطاب قائم على العدالة الاجتماعية، ومكافحة عدم المساواة، وإدانة الغرب، وبين استثمارات ضخمة في رؤوس أموال غربية؟ كيف يمكن تبرير تكديس الثروات الشخصية في بلد يعاني من أزمة اقتصادية عميقة، وتضخم متفشٍ، وتزايد فقر سكانه؟
تكتسب هذه التساؤلات بعداً أكثر أهمية في السياق الراهن. تشهد إيران فترة من التوترات الداخلية الحادة، تتسم بحركات احتجاجية، وتزايد انعدام الثقة بالمؤسسات، وظهور فجوة متزايدة الوضوح بين الشعب وقادته. في ظل هذه الظروف، فإن الكشف عن ثروات النخبة لن يؤدي إلا إلى تأجيج الشعور بالظلم وتفاقم أزمة شرعية النظام.
علاوة على ذلك، يُعقّد الغموض الذي يكتنف هذه الدوائر المالية أي محاولة للتحقق المستقل. فالشركات الوهمية، المسجلة غالبًا في ملاذات ضريبية، تُتيح التعتيم وإخفاء المستفيدين الحقيقيين من الأصول. ويُشكّل هذا التعقيد القانوني والمالي عقبةً رئيسيةً أمام الصحفيين والمحققين، ولكنه لا يمنع ظهور أدلة متضافرة تدريجيًا.
وبعيدًا عن قضية مجتبى خامنئي، تُثير هذه الكشوفات سؤالًا جوهريًا: ما طبيعة السلطة في إيران اليوم؟ هل لا تزال مُوجّهةً بمبادئ أيديولوجية، أم أنها تحوّلت إلى نظامٍ لحماية المصالح الاقتصادية الخاصة؟ يبدو الخط الفاصل بين السلطة الدينية والقوة المالية ضبابيًا بشكل متزايد، كاشفًا عن نموذجٍ تستند فيه الشرعية إلى السيطرة على الموارد بقدر ما تستند إلى النفوذ السياسي.
وأخيرًا، تُسلّط هذه العناصر الضوء على مفارقةٍ جوهرية: فبينما يُواصل النظام الإيراني تقديم نفسه كحصنٍ منيعٍ ضد التدخل الغربي، يبدو أن شريحةً من نخبته مُندمجةٌ بعمقٍ في الشبكات الاقتصادية الدولية. تُضعف هذه الازدواجية الرواية الرسمية، وتكشف تناقضات نظامٍ، بينما يُدين الغرب، يعتمد جزئيًا على مؤسساته للحفاظ على ثروته.
في نهاية المطاف، لا تُعدّ قضية مجتبى خامنئي مجرد مسألة ثروة شخصية، بل تكشف آليات سلطة تعمل، خلف واجهة أيديولوجية، وفقًا لمنطق التوطيد الاقتصادي وحماية الأصول الوطنية. وتطرح سؤالًا جوهريًا: إلى أي مدى يمكن لهذا النموذج أن يستمر في ظل مجتمعٍ يزداد وعيًا بالفجوة بين الخطاب والواقع؟
المصدر: لوريان لو جور، لوباريزيان، يورونيوز
