منذ انفجار هيروشيما في أغسطس/آب 1945، ظلّت القنبلة الذرية تطارد المخيال الجماعي بوصفها السلاح المطلق. ومع ذلك، وعلى مدى أكثر من ثمانين عاماً، لم تتمكن سوى تسع دول فقط من امتلاكها. لا أكثر. هذا الرقم، الذي يبدو منخفضاً بشكل مفارق في عصر المعلومات الفورية والطباعة ثلاثية الأبعاد، يعكس حجم التعقيد الهائل الذي يفصل بين الطموح النووي وتحقيقه.
وفي وقت تبلغ فيه التوترات في الشرق الأوسط مستويات غير مسبوقة — مع تقدّم البرنامج النووي الإيراني، وتكرار الضربات الإسرائيلية، ومنطقة بأكملها تعيش تحت ضغط متصاعد — أصبح فهم سبب صعوبة تصنيع القنبلة النووية مسألة جيوسياسية من الدرجة الأولى.
المادة الانشطارية: القفل الأول المطلق
كل شيء يبدأ بمشكلة في المادة نفسها. فالقنبلة النووية تحتاج إلى يورانيوم عالي التخصيب أو إلى بلوتونيوم من الدرجة العسكرية. وهاتان المادتان لا توجدان في الطبيعة بصيغة قابلة للاستخدام المباشر؛ بل يجب إنتاجهما عبر عملية صناعية هائلة التعقيد.
اليورانيوم الطبيعي يحتوي على أقل من 1٪ من النظير الانشطاري يورانيوم-235. ولصناعة قنبلة، يجب أن تصل النسبة إلى نحو 90٪. والانتقال من 1٪ إلى 90٪ يتطلب عملية تخصيب عبر أجهزة الطرد المركزي — وهي آلات فائقة الدقة تدور بسرعات هائلة، ويحتاج تصنيعها وصيانتها إلى خبرة معدنية وميكانيكية لا تمتلكها سوى دول قليلة.
إيران، على سبيل المثال، احتاجت عقوداً لتطوير أجهزة الطرد المركزي الخاصة بها بعدما حرمتها العقوبات الدولية من الوصول إلى التكنولوجيا الأجنبية. كما تعرضت منشآتها للتخريب مرات عدة — سواء عبر هجمات إلكترونية مثل فيروس «ستاكسنت»، أو عبر عمليات سرية نُسبت إلى إسرائيل.
أما البلوتونيوم فلا يكاد يوجد في الطبيعة. لذلك يجب إنتاجه داخل مفاعل نووي، ثم فصله كيميائياً في منشأة لإعادة المعالجة شديدة الإشعاع. وكلتا الطريقتين تخضعان لمراقبة دولية مستمرة.
هندسة الانفجار الداخلي : تحدٍ بحد ذاته
الحصول على المادة الانشطارية ليس سوى الجبل الأول الذي يجب تسلّقه. أما الجبل الثاني فهو ميكانيكي وفيزيائي: كيفية تفجير هذه المادة بطريقة صحيحة.
فليس كافياً تكديس اليورانيوم المخصب لإحداث تفاعل متسلسل. بل يجب الوصول إلى «الكتلة الحرجة» في زمن بالغ القِصر — في حدود جزء من مليون جزء من الثانية — وبطريقة متماثلة تماماً.
القنابل الأمريكية الأولى اعتمدت تصميمين: تصميم «المدفع» (حيث يُقذف جزء من اليورانيوم نحو جزء آخر) وتصميم «الانفجار الداخلي» (حيث تُضغط كرة من البلوتونيوم بواسطة متفجرات تقليدية مرتبة بدقة حولها). التصميم الثاني، الذي استُخدم في قنبلة ناغازاكي، أصبح اليوم المعيار السائد.
لكن تصميم الكرة المتفجرة المحيطة بالقلب الانشطاري يمثل تحدياً بالغ الصعوبة؛ إذ إن أي خلل في التماثل يؤدي إلى فشل الانفجار. وقد احتاجت الولايات المتحدة إلى عشرات التجارب النووية تحت الأرض قبل أن تتقن هذه التكنولوجيا. أما كوريا الشمالية فقد واجهت عدة إخفاقات في المراحل الأولى من برنامجها.
الحواجز البشرية والمؤسسية
إلى جانب التحديات العلمية، هناك التحدي البشري. فتصنيع قنبلة نووية يتطلب آلاف المهندسين والتقنيين المتخصصين يعملون معاً — من الفيزيائيين النوويين إلى خبراء المتفجرات وعلماء المعادن والمتخصصين في الحوسبة.
تكوين هذا النوع من الكفاءات يستغرق أجيالاً. والحفاظ على سرية عملهم في عالم تتنافس فيه أجهزة الاستخبارات على اختراق هذه البرامج يمثل تحدياً دائماً.
شبكة خان — نسبة إلى الفيزيائي الباكستاني عبد القدير خان — أظهرت مدى حساسية هذه السلسلة البشرية. فقد باع خان سراً مخططات أجهزة الطرد المركزي إلى ليبيا وإيران وكوريا الشمالية خلال الثمانينيات والتسعينيات، مما سرّع عدة برامج نووية. لكن هذه الشبكة نفسها خلقت آثاراً وتسريبات أدت في النهاية إلى تفكيكها، ما يثبت أن كل حلقة بشرية قد تكون أيضاً نقطة ضعف.
الشرق الأوسط : مختبر الطموحات النووية المحبَطة
في هذا السياق يكتسب الشرق الأوسط المعاصر أهميته الخاصة. فإيران هي اليوم الحالة الأكثر مراقبة في العالم.
ووفقاً للوكالة الدولية للطاقة الذرية، تقوم طهران بتخصيب اليورانيوم بنسبة تصل إلى 60٪ — وهي درجة لا مبرر مدنياً مقنعاً لها، وتقع على بعد خطوة تقنية واحدة تقريباً من المستوى العسكري.
ويمتلك البلد مخزوناً كافياً، بحسب الخبراء، لإنتاج عدة قنابل إذا اتُخذ القرار السياسي بذلك، وربما خلال أسابيع فقط للحصول على المادة الانشطارية.
لكن امتلاك المادة لا يعني امتلاك القنبلة. فما زالت هناك عقبات مثل تصغير الرأس النووي ليتلاءم مع صاروخ، وتصنيع مفجرات دقيقة، والأهم القدرة على إجراء اختبار دون التسبب برد عسكري فوري.
إسرائيل تعتبر تدمير هذا البرنامج خطاً أحمر وجودياً. فالضربات الأخيرة ضد بنى تحتية إيرانية، وعمليات اغتيال العلماء النوويين الإيرانيين، تعكس شدة هذه الحرب الخفية.
في المقابل، أعلنت السعودية بوضوح أنها ستسعى إلى امتلاك السلاح النووي إذا نجحت إيران في ذلك. وقد صرّح ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بهذا الموقف صراحة عام 2018.
هذا السيناريو المحتمل — في منطقة تعصف بها بالفعل النزاعات في غزة ولبنان واليمن وسوريا — يمثل ما يخشاه المحللون: انتشاراً نووياً متسلسلاً قد يجعل الردع التقليدي غير قابل للاستمرار.
الرقابة الدولية : خط الدفاع الأخير غير الكامل
يشكل معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، الموقعة عام 1968، الإطار القانوني العالمي لمنع الانتشار النووي. لكنها مليئة بالثغرات.
فإسرائيل والهند وباكستان لم توقع عليها أصلاً. أما كوريا الشمالية فقد انسحبت منها عام 2003، وأجرت منذ ذلك الحين ست تجارب نووية.
إيران لا تزال دولة موقعة، وهو ما يمنح المجتمع الدولي أداة دبلوماسية للضغط، لكنه لا يشكل ضمانة كاملة.
الوكالة الدولية للطاقة الذرية تمتلك مفتشين، لكنها لا تستطيع دخول أي موقع دون إذن. وقد علّقت إيران بعض آليات التفتيش منذ عام 2021، ما يزيد من الغموض.
وهذا الغموض يغذي حالة عدم اليقين التي تعمق في الشرق الأوسط دوامة انعدام الثقة المتبادلة.
خلاصة
يبقى تصنيع قنبلة نووية، حتى عام 2026، أحد أعقد التحديات التقنية التي واجهتها البشرية. فالمواد النادرة، والهندسة فائقة الدقة، والموارد البشرية والصناعية الضخمة، والرقابة الدولية الصارمة — كل واحدة من هذه العقبات تفسر لماذا ظل النادي النووي محدوداً إلى هذا الحد.
لكن في الشرق الأوسط، حيث تتلاقى الإرادة السياسية والموارد المالية والدوافع الاستراتيجية كما نادراً ما حدث في التاريخ، تُختبر هذه الحواجز كل يوم.
ولذلك لم يعد السؤال الحقيقي هو ما إذا كان الأمر صعباً — فالجميع يدرك ذلك.السؤال الحقيقي هو: إلى متى ستصمد هذه الحواجز؟
