في رياضة لا تسامح فيها، تجمع بين التحمّل الجسدي ودقة النشاب، أثبت لبنان حضوره بقوة. في بطولة البلقان للبياثلون التي أُقيمت في رومانيا والبوسنة، عاد الوفد اللبناني بأربع ميداليات: ثلاث فضيات وبرونزية واحدة. حصيلة تفوق التوقعات، وتؤكد الصعود السريع لهذه الرياضة على الأراضي اللبنانية.
البياثلون رياضة قاسية لا تغفر الأخطاء. بعد كيلومترات من التزلج على الجليد حتى الإنهاك، يجب على الرياضي أن يوقف أنفاسه، يهدئ ارتجاف يديه، ويصوّب بدقة — وإلا ضاعت المنافسة على تصويبة واحدة. في هذه الأجواء الصعبة، وأمام منافسين من البلقان لهم تاريخ عريق في رياضات الثلج، نجح الرياضيون اللبنانيون في الوقوف على المنصة.
منافسة من المستوى الرفيع
لا بد من استيعاب حجم المنافسة لتقدير قيمة ما حققه اللبنانيون. بطولة البلقان للبياثلون تضم كل عام نخبة من الدول التي تعدّ رياضات الشتاء جزءاً من هويتها الوطنية. صربيا، مقدونيا الشمالية، اليونان، البوسنة، بلغاريا، رومانيا، كرواتيا وتركيا، كلها كانت حاضرة. وأمام هذه المنافسة التي تتزلج منذ الصغر، استطاع لبنان — الذي لا يتجاوز عمر برنامجه في البياثلون ثلاث سنوات — أن يصعد إلى المنصة. وهذا لم يكن صدفة، بل ثمرة عمل جاد ومنظّم.
بول قيروز : الثبات سمته الأولى
في فئة الكبار للرجال، كان بول قيروز صاحب الأداء الأبرز في هذه البطولة. على مسافة 15 كيلومتراً في رومانيا، أحرز ميدالية البرونز في بداية موفّقة. ثم في البوسنة، على مسافة 10 كيلومترات، ارتقى درجة أعلى ليفوز بميدالية الفضة. منافستان، مسافتان مختلفتان، ومنصتان: هذا هو بول قيروز، رياضي يعرف كيف يُدير الضغط، ويحافظ على تركيزه في أصعب اللحظات عند خط التصويب. هذا الثبات هو ما يميز الأبطال الحقيقيين في هذه الرياضة.
سيريل لوزوم : شباب وتحكّم عالي المستوى
في فئة الناشئين، كانت سيريل لوزوم النجمة اللامعة. سباقان على مسافة 10 كيلومترات في البوسنة، ومرتان تصل إلى المركز الثاني وتحمل ميدالية الفضة. تكرار هذه النتيجة ليس أمراً عادياً: فهو يدل على قدرة نادرة على إعادة إنتاج المستوى، وعدم الانهيار بين سباق وآخر، وإدارة دقيقة للجهد وللتصويب. في فئات الشباب حيث تنقص الخبرة، الفوارق تُحسَم في تفاصيل صغيرة — وسيريل عرفت كيف لا ترتكب الخطأ الحاسم مرتين.
مشروع يُبنى بجدية ويؤتي ثماره
هذه الميداليات الأربع لم تأتِ من فراغ. هي نتاج تطوير منهجي ومدروس تقوده الاتحاد اللبناني للتزلج والبياثلون. إشراف هوغيت فاخوري، وخبرة المدرب الصربي ميروسلاف سيغيرت — القادم من بلد يعيش البياثلون في دمه — أسهما في بناء برنامج تدريبي متكامل. والأجمل في الأمر أن هذه السنة هي الثانية على التوالي التي يعود فيها لبنان من مسابقات دولية حاملاً ميداليات، في رياضة لم تُطلَق رسمياً في البلاد إلا منذ ثلاث سنوات فقط.
إشارة واعدة نحو المستقبل
في بلد تعاني فيه رياضات الشتاء من ضغوط اقتصادية وسياسية لا تخفى على أحد، تحمل هذه الميداليات قيمة رمزية تتجاوز المنصة. إنها تثبت أن الرؤية الواضحة، والإطار التدريبي الكفء، والرياضي الملتزم، كفيلة بأن تضع لبنان على خريطة الرياضات النوردية الدولية. مشروع التطوير في المناطق الجبلية اللبنانية يجد اليوم في هذه النتائج الملموسة دعامة قوية للمضيّ قُدُماً — والشهية، كما يبدو جلياً، في ازدياد.
