قبل بضع سنوات فقط، كان اسم «الكبتاغون» شبه مجهول لدى الرأي العام الغربي. أما اليوم، فقد أصبحت هذه الحبة البيضاء الصغيرة المختومة بهلالين متداخلين واحدة من أكثر المخدرات استهلاكاً في الشرق الأوسط، مُدرّةً مليارات الدولارات، ومغذيةً شبكات إجرامية عابرة للحدود لا تعرف التوقف. وفي قلب هذا الاتجار يقف لبنان، البلد المنهك، الذي أتاح انهيار مؤسساته بيئةً خصبة لازدهار اقتصاد المخدرات.
ما هو الكبتاغون ؟
الكبتاغون، واسمه الكيميائي فينِثيلّين، هو منشّط أمفيتاميني صُنِّع لأول مرة في ستينيات القرن الماضي في ألمانيا، واستُخدم في البداية لعلاج فرط الحركة والنوم القهري. وقد حُظر في معظم الدول منذ ثمانينيات القرن الماضي بسبب آثاره الإدمانية القوية، لكنه عاد للظهور بصيغة جديدة في العقد الأول من الألفية الثالثة، حيث يُنتج سراً وعلى نطاق واسع.
تمنح هذه المادة متعاطيها شعوراً بالنشوة والطاقة والإحساس بالقوة، كما تكبح الجوع والنوم وتقلّل إلى حد كبير الشعور بالخوف. وهذه التأثيرات تفسّر استخدامها الواسع في مناطق النزاع — إذ يُعتقد أنها استُهلكت من قبل مقاتلين في سوريا — وكذلك شعبيتها المتزايدة في دول الخليج، حيث أصبحت مادة ترفيهية مفضّلة لدى شريحة من الشباب الميسور، رغم القيود الدينية والقانونية الصارمة.
لبنان : مصنع شبه مفتوح
لم يتحول لبنان بين ليلة وضحاها إلى لاعب رئيسي في تجارة الكبتاغون. بل كان المسار تدريجياً، وتسارع مع تفاقم الأزمة الاقتصادية التي عصفت بالبلاد منذ عام 2019. فقد أدى انهيار الليرة اللبنانية، وشلل مؤسسات الدولة، واستشراء الفساد، وصعود فاعلين غير دولتيين — وفي مقدمتهم حزب الله — إلى خلق ظروف ملائمة لنشوء اقتصاد موازٍ، باتت المخدرات أحد أعمدته الأساسية.
وقد كُشفت مختبرات سرّية في عدة مناطق، لا سيما في سهل البقاع، المعقل التاريخي لزراعة المخدرات والاتجار بها في لبنان. هذا السهل الخصيب المحصور بين سلسلتي جبال، والذي خضع طويلاً لسيطرة فصائل مسلحة، يحتضن جزءاً كبيراً من الإنتاج. صحيح أن السلطات اللبنانية نفّذت عمليات ضبط — بعضها كان لافتاً، مع اكتشاف ملايين الحبوب مخبأة داخل شحنات فواكه وخضار أو معدات صناعية — إلا أن هذه الجهود تبقى محدودة قياساً بحجم الظاهرة.
دور حزب الله والاتهامات الدولية
تبقى المسألة الأكثر حساسية هي الاتهامات الموجّهة إلى حزب الله بشأن تورطه في هذا الاتجار. فقد وجّهت عدة حكومات غربية، إضافة إلى دول عربية، اتهامات للحزب بالضلوع في إنتاج وتصدير الكبتاغون، معتبرةً أن هذه التجارة تشكّل مصدراً موازياً للتمويل يتيح له الالتفاف على العقوبات الدولية.
من جهته، ينفي حزب الله بشكل قاطع أي علاقة له بهذا النشاط. غير أن تحقيقات صحافية وتقارير استخباراتية أشارت إلى صلات مقلقة بين شبكات مرتبطة بالحزب وبعض مسارات التهريب. وفي عام 2021، علّقت المملكة العربية السعودية جميع وارداتها من المنتجات اللبنانية، عقب ضبط ملايين الحبوب مخبأة داخل شحنات رمان قادمة من لبنان. وقد شكّل هذا القرار ضربة قاسية للاقتصاد اللبناني المنهار، وكشف البعد الجيوسياسي للأزمة.
أزمة ذات أبعاد إقليمية
لم يعد الكبتاغون قضية لبنانية فحسب، بل بات ملفاً إقليمياً بل ودولياً. فسوريا المجاورة، التي يسيطر النظام أو فصائل مسلحة على أجزاء واسعة من أراضيها، تُعدّ أيضاً من كبار المنتجين. ويشكّل البلدان معاً حزام إنتاج يمتد نحو دول الخليج والأردن والعراق وما بعدها، فيما طالت بعض الضبطيات حتى أوروبا.
وفي مواجهة هذا التهديد، بدأت عدة دول عربية تنسيق جهودها. فالأردن، بحكم موقعه الجغرافي، يُعدّ من أكثر الدول عرضة لتداعيات التهريب، وقد نفّذ مراراً عمليات أمنية على حدوده، بل شنّ ضربات جوية ضد قوافل مشبوهة. أما الولايات المتحدة، فقد أقرّت عام 2022 «قانون مكافحة الكبتاغون» الذي يفرض اعتماد استراتيجية دبلوماسية وأمنية منسّقة.
دولة أضعف من أن تواجه وحدها
في ظل أزمة متعددة الأبعاد غير مسبوقة، يفتقر لبنان إلى الإمكانات المؤسسية والمالية والسياسية اللازمة لمواجهة هذا الخطر بمفرده. فالأجهزة الأمنية تعاني نقصاً في الموارد، والسلطة القضائية مشلولة، وبعض الأطراف السياسية لا مصلحة لها في تغيير الواقع القائم. وطالما ظلّت الدولة اللبنانية رهينة انقساماتها الداخلية، سيواصل الكبتاغون العبور عبر مرافئها ومطارها وحدودها السائبة، ناشراً سمّه في المنطقة ومفاقماً معاناة بلد لم يعد يحتمل المزيد.
إن مكافحة الكبتاغون ترتبط في جوهرها بمسألة أوسع: إعادة بناء دولة لبنانية فاعلة، سيدة، وقادرة على فرض سلطتها على كامل أراضيها. وهو تحدٍّ جسيم، يتوقف نجاحه على الإرادة السياسية الداخلية بقدر ما يعتمد على دعم المجتمع الدولي.
