اتخذت الحكومة اللبنانية قرارًا تاريخيًا بإعلان الحظر الكامل لأي نشاط عسكري تابع لحزب الله، مطالبةً بتسليم سلاحه إلى الدولة، ومؤكدةً أن قرار الحرب والسلم يعود حصريًا إلى المؤسسات الوطنية. ويأتي هذا الإعلان في ظل تصاعد التوترات الإقليمية ومواجهات حديثة بين الحزب والجيش الإسرائيلي.
قرار غير مسبوق في التاريخ السياسي اللبناني
في ظل تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، أعلنت الحكومة اللبنانية يوم الاثنين، خلال اجتماع استثنائي لمجلس الوزراء، عن إجراء غير مسبوق يتمثل في الحظر التام لأي نشاط عسكري أو أمني لحزب الله على الأراضي اللبنانية. وشدد رئيس الحكومة نواف سلام على أن الدولة اللبنانية وحدها تحتكر القوة الشرعية، وأن أي عمل مسلح يجب أن يُتخذ ويُنفذ عبر المؤسسات الرسمية.
ويمثل هذا القرار نقطة تحول كبرى في التاريخ السياسي للبنان، حيث عمل حزب الله لعقود كقوة عسكرية قوية تمتلك ترسانة كبيرة خارج السيطرة المباشرة للدولة. ومن خلال إعلان هذا الحظر، تسعى الحكومة إلى تعزيز سيادة الدولة وإعادة التأكيد على الدور الحصري للجيش والمؤسسات الوطنية في شؤون الأمن والدفاع.
وجاء خطاب نواف سلام واضحًا وصريحًا: «على حزب الله تسليم سلاحه غير الشرعي والاكتفاء بدوره كحزب سياسي»، داعيًا الأجهزة الأمنية إلى منع أي نشاط عسكري للحزب واعتقال كل من يخالف هذا القرار. كما شدد على ضرورة مواصلة الجيش اللبناني تنفيذ خطة نزع سلاح جميع الميليشيات «بكل الوسائل الممكنة».
سياق الأزمة والمواجهات الأخيرة
يأتي هذا القرار الحكومي عقب تصاعد جديد في أعمال العنف في المنطقة. ففي ليلة الأحد – الاثنين، أعلن حزب الله مسؤوليته عن إطلاق صواريخ باتجاه إسرائيل، في أول عملية من نوعها منذ اتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024 الذي أنهى 66 يومًا من المواجهات المكثفة بين الحزب وإسرائيل.
وقد أدت هذه الهجمات إلى رد جوي إسرائيلي واسع النطاق، حيث استهدفت الغارات عدة مناطق في جنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت، ما أسفر عن سقوط ما لا يقل عن 31 قتيلًا وأكثر من مئة جريح في صفوف المدنيين اللبنانيين.
وتندرج هذه التطورات ضمن سياق إقليمي أوسع من التوتر، تفاقم بعد المواجهات الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، إثر مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في قصف مثير للجدل. وردًا على ذلك، كثف حزب الله هجماته بالصواريخ والطائرات المسيرة على مواقع إسرائيلية، ما أدى إلى تصعيد الضربات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية.
في هذا المناخ المتفجر، يمكن تفسير قرار الحكومة اللبنانية بحظر الأنشطة العسكرية لحزب الله على أنه محاولة لاحتواء التصعيد ومنع انزلاق لبنان أكثر في صراع إقليمي أوسع. كما يعكس مخاوف متزايدة لدى الطبقة السياسية اللبنانية من تداعيات بقاء حزب الله مسلحًا على الاستقرار الداخلي وأمن المدنيين.
ردود الفعل السياسية والتداعيات الداخلية
أثار القرار ردود فعل متباينة في المشهد السياسي اللبناني. فمن جهة، رحب العديد من النواب والمسؤولين بهذه الخطوة باعتبارها إعادة تأكيد لسلطة الدولة وخطوة نحو استعادة النظام الدستوري. ويرى هؤلاء أن وجود قوة مسلحة مستقلة كحزب الله، تتحرك أحيانًا خارج الخط السياسي الرسمي لبيروت، يقوض السيادة الوطنية ويعرض البلاد لمخاطر ردود فعل خارجية.
في المقابل، نددت أحزاب سياسية حليفة لحزب الله أو مؤيدة لدوره كقوة مقاومة ضد إسرائيل بالقرار، معتبرةً إياه غير شرعي وخطير، بحجة أنه يضعف القدرة الدفاعية للبنان في مواجهة قوة عسكرية خارجية. وبالنسبة لهم، يشكل حزب الله ضمانة استراتيجية في مواجهة أي عدوان إسرائيلي. وتعكس هذه المواقف الانقسامات العميقة التي لا تزال تشق المجتمع اللبناني.
نحو تكريس احتكار الدولة للسلاح
يندرج هذا القرار أيضًا ضمن مسار أوسع يهدف إلى تكريس احتكار الدولة اللبنانية للسلاح. فمنذ سنوات، طُرحت مبادرات لنزع سلاح الميليشيات غير التابعة للدولة، تنفيذًا لقرارات دولية مثل القرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن، والذي يدعو إلى حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية.
وفي عام 2025، اعتمدت الحكومة اللبنانية خطة «درع الوطن»، وهي خارطة طريق تتضمن مراحل متعددة لنزع سلاح جميع الميليشيات تدريجيًا، بدءًا من منطقة جنوب الليطاني التي تُعد تاريخيًا معقلًا لحزب الله. ويمكن اعتبار القرار الحالي تسريعًا لهذا المسار، فرضته الظروف الاستثنائية للتصعيد الإقليمي والحاجة الملحة إلى استقرار البلاد.
نحو مفاوضات دولية ؟
بالتوازي مع قرار الحظر العسكري، أعلن رئيس الحكومة استعداد لبنان لاستئناف المفاوضات مع إسرائيل، برعاية وضمانات دولية، لا سيما من الولايات المتحدة وفرنسا، باعتبارهما من الضامنين لاتفاق وقف إطلاق النار. وقد يشكل هذا الانفتاح الدبلوماسي محاولة للخروج من المأزق الحالي ومنع اندلاع حرب واسعة النطاق.
غير أن نجاح هذه المفاوضات سيعتمد بدرجة كبيرة على الدور الذي سيقبل حزب الله بلعبه ضمن الإطار الاستراتيجي الجديد. ويبقى تسليم السلاح نقطة خلاف جوهرية، قد تقود إما إلى تسوية سياسية مبتكرة، أو إلى تصاعد التوترات الداخلية مجددًا.
الخلاصة
يشكل الحظر الكامل للأنشطة العسكرية لحزب الله من قبل الحكومة اللبنانية محطة تاريخية في مسار تعزيز سلطة الدولة، وقد يُحدث تحولًا عميقًا في التوازن السياسي الداخلي للبنان. وفي ظل التوترات الإقليمية الحادة، قد يسهم هذا القرار في استقرار الوضع وفتح باب المفاوضات، أو قد يؤدي إلى تعميق الانقسامات الداخلية وزيادة مخاطر المواجهة. وفي جميع الأحوال، يمثل هذا التطور لحظة مفصلية في تحديد دور حزب الله والدولة اللبنانية في المعادلة الأمنية والسياسية للمنطقة.
