يواجه لبنان اليوم واحدة من أعمق الأزمات الاقتصادية في تاريخه الحديث، في ظل دينامية حرب مستمرة تُحوّل الاقتصاد تدريجياً إلى مجرد آلية للبقاء. فبعد أن أنهكه الانهيار المالي منذ عام 2019، يجد البلد نفسه أمام سلسلة متراكمة من الصدمات التي لم تعد تقتصر على الدمار المادي، بل امتدت لتغرق النظام الاقتصادي بأكمله في حالة من عدم الاستقرار المزمن.
الحرب الأخيرة لم تدمّر البنى التحتية فحسب، بل أعادت تفكيك الاقتصاد في مختلف قطاعاته. مؤسسات أقفلت، أراضٍ زراعية تضررت، حركة السياحة تعطلت، وتكاليف الطاقة ارتفعت بشكل حاد. لكن الأخطر من ذلك، هو انهيار الثقة، الركيزة الأساسية لأي اقتصاد، في بلد فقد أصلاً نظامه المصرفي الفعّال.
هذا التفكك ينعكس شللاً تدريجياً في النشاط الاقتصادي. فالطريق المدمّرة لا تعيق الحركة فقط، بل تُبطئ التبادل التجاري، وتعرقل الوصول إلى الخدمات الأساسية، وترفع كلفة النقل والخدمات. وفي جنوب البلاد، حيث الأضرار الأشد، لا يزال عودة السكان غير مؤكدة، ما يمنع إعادة تحريك عجلة التجارة والزراعة والخدمات. وهكذا، يعمل الاقتصاد بنصف قدرته، ضمن منطق انتظار دائم.
إلى جانب ذلك، تتراكم كلفة اقتصادية هائلة. فقد تسببت حرب 2023-2024 بأضرار تُقدَّر بنحو نصف الناتج المحلي الإجمالي، مع انكماش اقتصادي تجاوز 7%. وبصورة أوسع، خسر لبنان نحو 40% من ناتجه منذ عام 2019، في مؤشر واضح على حجم الانهيار غير المسبوق.
في هذا السياق، لم يعد الحديث يدور عن تنمية أو حتى إعادة إعمار، بل عن إدارة أزمة طارئة. فطلب مليار دولار لمواجهة تداعيات الحرب لا يعكس خطة مستقبلية، بل محاولة لتفادي انهيار كامل في الحاضر.
المشكلة الأعمق تكمن في التحول البنيوي الذي يشهده الاقتصاد. فقد دخل لبنان مرحلة «اقتصاد الحرب الممتدة»، حيث يصبح المدى القصير هو القاعدة. الأسر تقلّص إنفاقها، الشركات تجمّد استثماراتها، ورؤوس الأموال تهرب من بيئة تُعتبر شديدة المخاطر. ويختفي الاستثمار المنتج لصالح أنشطة سريعة وغير منظمة، لا تؤسس لأي مستقبل اقتصادي مستدام.
هذه الدينامية تُفاقم واقعاً اجتماعياً خطيراً: الفقر الشامل. إذ يعيش أكثر من 80% من اللبنانيين تحت خط الفقر، نتيجة مباشرة لانهيار العملة، والتضخم، وتراجع الخدمات العامة.
