قضية إبستين : ماذا تقول الكشفات الجديدة عن لبنان؟

في 30 كانون الثاني/يناير 2026، كشفت وزارة العدل الأميركية عن نحو ثلاثة ملايين وثيقة إضافية مرتبطة بقضية جيفري إبستين. وبين الكمّ الهائل من المعلومات التي تضمنتها هذه الأرشيفات، برز خيط مفاجئ: اهتمام لافت للمموّل المدان بجرائم الاتجار الجنسي بلبنان والشرق الأوسط.

عبارة تُثير الفضيحة

بدأ كل شيء بجملة صادمة وردت في إحدى الرسائل الإلكترونية: “Sex is better in Lebanon” (الجنس أفضل في لبنان). هذه العبارة، المنسوبة إلى جيفري إبستين نفسه في الوثائق التي رُفعت عنها السرية، أحدثت صدمة واسعة في لبنان وفي أوساط الجاليات اللبنانية حول العالم.

وبعيداً عن الصدمة الأخلاقية المباشرة، طرحت العبارة سؤالاً مقلقاً بعمق: ماذا كان يقصد هذا الرجل، الذي يقف في قلب واحدة من أكبر فضائح الاتجار الجنسي في التاريخ الحديث، بهذه الكلمات؟ هل استخدم لبنان كساحة صيد؟
  تدعو السلطات اللبنانية وعدد من المراقبين اليوم إلى فتح تحقيقات جدّية حول هذه النقطة.

مهندس ديكور لبناني في الجزيرة الخاصة

من بين الروابط المباشرة التي كشفتها الوثائق، يبرز اسم كيفاح لحّام، مهندس الديكور اللبناني، الذي ورد ذكره في عدة رسائل إلكترونية على أنه طُلب منه في صيف 2018 العمل على مشاريع تصميم داخلي في ممتلكات إبستين — ولا سيما في جزيرة “ليتل سانت جيمس” الخاصة به في الكاريبي، والتي أطلق عليها سكان الجزر المجاورة لقب “جزيرة العربدة” أو “جزيرة الاعتداءات الجنسية على القاصرين”.

تُظهر الوثائق أن تذاكر سفر على الدرجة الأولى حُجزت للحّام وشريكه الفرنسي كزافييه كارترون بين 25 و27 آب/أغسطس 2018، بكلفة إجمالية بلغت 18,435 دولاراً. توجها أولاً إلى نيويورك، قبل أن يستقلا الطائرة الخاصة بإبستين نحو سانت توماس، الجزيرة المجاورة لجزيرته الخاصة.

وتكشف المستندات أن إبستين أصرّ على لقاء لحّام بمفرده، من دون شريكه. وفي أيلول/سبتمبر 2018، طلب الملياردير من محاسبه تحويل مبلغ 30 ألف دولار إلى المهندس اللبناني، من دون أن يتضح ما إذا كان المبلغ قد سُلّم فعلاً.

مصممة لبنانية موصى بها لممتلكاته

ظهر أيضاً اسم المصممة اللبنانية كارين شكرجيان في التقارير الصحفية، إذ أفيد بأنها رُشحت لمشروع تصميمي مرتبط بإحدى ممتلكات إبستين، بناءً على توصية من جاك لانغ، وزير الثقافة الفرنسي الأسبق والرئيس السابق لمعهد العالم العربي.

وقد أكدت كارين شكرجيان أنها لم تلتقِ إبستين مطلقاً. إلا أن ردّها العلني على هذه التسريبات أثار بعض الجدل، حيث رأى بعض المراقبين أنه لم يتضمّن مسافة نقدية كافية تجاه الطبيعة الإجرامية للشخص المعني.

شخصيات سياسية لبنانية في دفتر العناوين

يظهر اسم سعد الحريري، رئيس الوزراء اللبناني الأسبق، في دفتر عناوين إبستين وفي رسالة إلكترونية تعود إلى عام 2010 موجّهة إلى جيس ستالي، الذي كان يشغل حينها منصباً تنفيذياً في “جي بي مورغان”.
  تتضمن الرسالة لائحة مدعوين إلى “منتدى صير بني ياس” في الإمارات العربية المتحدة، مع اقتراح تخصيص “وقت خاص” معهم، ومن بينهم الحريري. ولا تشير الوثائق إلى أي تورّط غير مشروع، بل إلى دعوة لحضور فعالية حصرية.

أما فهد الحريري، النجل الأصغر لرئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري الذي اغتيل عام 2005، فقد نفى رسمياً عبر محاميه أي تواصل مع إبستين، بحسب مصادر متطابقة.

في المقابل، خرج اسم المفكر اللبناني-الأميركي نسيم نيكولاس طالب بصورة إيجابية من هذه الوثائق، إذ تُظهر السجلات أنه رفض عدة دعوات من إبستين، بعدما شكك في حقيقة ثروته وحرص على تجنّب أي ارتباط به.

روابط مصرفية في الشرق الأوسط

بعيداً عن الأسماء السياسية، تكشف الوثائق اهتمام إبستين بالدوائر المالية في المنطقة. وتشير بعض المراسلات إلى مناقشات حول فرص مصرفية في الشرق الأوسط، مع ذكر مؤسسات لبنانية.

وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، لفتت عدة أصوات إلى ورود اسم بنك “إنترا أودي” ضمن ما عُرف بـ”ملفات إبستين”، باعتباره من المؤسسات المالية التي استخدمها الملياردير. إلا أن هذه المعطيات تبقى في إطار المؤشرات، من دون أي دليل على تواطؤ مثبت.

مناطق ظلّ تتطلب إجابات

يأتي نشر هذه الوثائق في توقيت حساس للغاية بالنسبة للبنان، الذي يعيش منذ عام 2019 واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية في تاريخه الحديث. إن ظهور أسماء لبنانية في أرشيف مجرم جنسي مُدان — حتى من دون صلة مباشرة بجرائمه — يطرح تساؤلات مشروعة حول شبكات النفوذ التي كانت تحيط به في المنطقة.

ويجدر التذكير، كما يؤكد مراقبون جديون، بأن مجرد ورود اسم شخص في هذه الملفات لا يعني، بحد ذاته، ارتكاب فعل جرمي. كما أن الوثائق المرفوعة عنها السرية لا تتضمن أي ملاحقات قضائية جديدة بحق أطراف ثالثة، وفق ما أوضحته وزارة العدل الأميركية.

غير أن عبارة “Sex is better in Lebanon” تبقى من دون تفسير مقنع. وهذا الصمت تحديداً هو ما يستدعي، على الأقل، تحقيقاً دقيقاً وشفافاً — من أجل الضحايا أولاً، ومن أجل الحقيقة ثانياً.

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading