قضية “أبو عمر” : عندما ينتحل ميكانيكي لبناني صفة أمير سعودي ويخدع النخبة السياسية

اختُتم عام 2025 في لبنان على وقع فضيحة تتأرجح بين العبثي والمأساوي. فقد نجح ميكانيكي سيارات بسيط من منطقة عكار شمال البلاد، وعلى مدى ما يقارب عقداً من الزمن، في انتحال صفة أمير سعودي نافذ، مستغلاً هذه الهوية الوهمية للتغلغل في أوساط النخبة السياسية اللبنانية، وانتزاع مبالغ مالية كبيرة، بل والتأثير في قرارات دستورية حساسة.

الرجل خلف الصوت

مصطفى الحصيان، المعروف أيضاً باسم “أبو عمر”، ليس أميراً ولا يمتّ بأي صلة إلى العائلة المالكة السعودية. وينحدر هذا الرجل من وادي خالد، وهو حرفي من خلفية متواضعة، إلا أنه امتلك سلاحاً حاسماً: إتقان اللهجة السعودية بشكل مقنع، ما مكّنه من أداء دور موفد ملكي بصورة احترافية.

وبحسب التحقيقات، لم يكن الحصيان يعمل بمفرده، بل تعاون بشكل وثيق مع الشيخ خلدون عريمط، وهو شخصية دينية بارزة ضمن دار الفتوى، المرجعية الدينية العليا للطائفة السنية في لبنان. وقد تقاسما الأدوار بفعالية: تولّى الحصيان انتحال شخصية “الأمير” عبر الهاتف، بينما استخدم عريمط شبكة علاقاته الواسعة لتقديم “أبو عمر” إلى شخصيات سياسية، معظمها من الطائفة السنية.

خطة احتيال بسيطة وفعّالة

اعتمد الثنائي على أسلوب بسيط لكنه بالغ الفعالية. فقد ادّعى “أبو عمر” امتلاك صلات مباشرة مع الديوان الملكي في الرياض، وعرض تقديم دعم سياسي سعودي مقابل مبالغ مالية كبيرة. والمفارقة اللافتة أن أياً من ضحاياه المزعومين لم يلتقِ به شخصياً، إذ اقتصرت جميع الاتصالات على مكالمات هاتفية عبر رقم بريطاني.

وكانت الوعود مغرية: تسهيلات للوصول إلى صناع القرار في المملكة، دعم مالي، تعيينات وزارية، مقاعد نيابية، بل وحتى منصب رئاسة الحكومة. في المقابل، فرض شرطاً أساسياً: عدم التواصل مع السفارة السعودية أو القنوات الدبلوماسية الرسمية، بذريعة “حساسية القنوات الملكية الخاصة”.

ومن بين الشخصيات التي وردت أسماؤها كضحايا محتملين، رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة، الذي يُقال إنه حاول تقديم “أبو عمر” إلى النائبة بهية الحريري، شقيقة رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري. غير أن هذه الخطوة كانت نقطة الانهيار، إذ سارعت الحريري إلى التواصل مباشرة مع السفارة السعودية، التي أكدت فوراً عدم وجود أي شخص بهذه الصفة.

انهيار الخدعة

انفجرت الفضيحة علناً في منتصف ديسمبر/كانون الأول 2025، عندما تقدّم رجل الأعمال أحمد حدارة، من عكار، بشكوى أمام محكمة التمييز، اتهم فيها محمد عريمط، نجل الشيخ خلدون، بابتزازه والحصول منه على مبلغ مالي كبير وسيارة فاخرة، مقابل وعد بربطه بالأمير السعودي المزعوم.

وجاءت اللحظة الفاصلة بطريقة تكاد تكون ساخرة، عندما حاول أحد الضحايا الاتصال بـ”أبو عمر” أثناء وجوده في نفس الغرفة مع مصطفى الحصيان، ليرن هاتف الأخير، كاشفاً حقيقة الانتحال.

تداعيات دستورية خطيرة

لا تقتصر خطورة القضية على الجانب المالي، بل تمتد إلى صلب السيادة اللبنانية. إذ أفادت مصادر بأن “أبو عمر” تدخّل في مسار الاستشارات النيابية الملزمة، وهي الآلية الدستورية التي يُسمّى بموجبها رئيس الحكومة. ففي الليلة التي سبقت الاستشارات التي أدت إلى تكليف رئيس الحكومة نواف سلام، تلقى عدد من النواب اتصالات تهديدية، نُسبت إلى “أوامر ملكية”، تضمنت توجيهات واضحة حول كيفية التصويت.

وفي حال تأكدت هذه المعطيات، فإن الأمر يرقى إلى مستوى التلاعب المباشر بالعملية الدستورية اللبنانية عبر انتحال نفوذ خارجي وهمي.

مرآة تكشف واقعاً سياسياً هشّاً

يرى مراقبون أن هذه القضية تعكس واقعاً سياسياً أكثر عمقاً وخطورة. فقد صرّح النائب جميل السيد بأن “المشكلة ليست في المحتال، بل في الطامحين الذين يؤمنون بوجود مثل هذه القنوات.” وتكشف الفضيحة عن طبقة سياسية تعتمد على العلاقات الشخصية والوعود الخارجية، متجاوزة القنوات الرسمية والمؤسساتية.

وفي بلد يكرّس نظامه الطائفي منصب رئاسة الحكومة للطائفة السنية، التي ارتبطت تاريخياً بعلاقات وثيقة مع الرياض، يكشف نجاح “أبو عمر” عن فراغ سياسي نشأ نتيجة تراجع الدور السعودي في لبنان منذ عام 2019.

المسار القضائي

أوقفت السلطات اللبنانية مصطفى الحصيان والشيخ خلدون عريمط، ووجّهت إليهما اتهامات بالاحتيال، والابتزاز، وانتحال صفة، والتأثير على قرارات تصويت مسؤولين سياسيين، والإضرار بالعلاقات اللبنانية-السعودية.

من جهتها، أعلنت عائلة الحصيان تبرؤها من أفعاله، قائلة: “ابننا شخص بسيط، ونحن نثق بالقضاء اللبناني ونرفض أي إساءة إلى العلاقات الأخوية بين لبنان والمملكة العربية السعودية.”

وستبقى هذه القضية، التي أثارت صدمة واسعة في لبنان بين الذهول والغضب، شاهداً صارخاً على هشاشة النظام السياسي، وعلى مدى ارتهانه لنفوذ خارجي — سواء كان حقيقياً أم متخيلاً.

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading