مساء يوم 27 سبتمبر/أيلول 2024، نفّذ سلاح الجو الإسرائيلي إحدى أكبر الغارات الجوية في تاريخه الحديث ضد حزب الله. وشملت العملية، التي أطلق عليها الجيش الإسرائيلي اسم “النظام الجديد” ونفذتها طائرات مقاتلة من طراز إف-15 آي، إلقاء أكثر من 80 قنبلة على مقر حزب الله السري تحت الأرض، الواقع أسفل مبانٍ سكنية في حي حارة حريك، إحدى ضواحي بيروت الجنوبية.
الهدف كان حسن نصرالله، الأمين العام لحزب الله منذ عام 1992، الذي كان يترأس اجتماعاً مع عدد من القيادات في ملجأ يقع على عمق 18 متراً تحت الأرض. وفي اليوم التالي، أعلنت إسرائيل مقتله، وهو ما أكّده حزب الله بعد ظهر 28 أيلول.
الكلفة البشرية والمادية على لبنان
أسفر الهجوم عن مقتل ما لا يقل عن 33 شخصاً وإصابة أكثر من 195 آخرين، بينهم مدنيون. كما دُمّرت ستة مبانٍ سكنية بالكامل، ما حوّل حيّاً مكتظاً بالسكان في العاصمة اللبنانية إلى ركام. ومن بين القتلى أيضاً علي كركي، قائد جبهة الجنوب في حزب الله، وعباس نيلفروشان، نائب قائد عمليات «الحرس الثوري» الإيراني.
وبحسب ما كشفته صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، بلغت كلفة العملية نحو 34 مليون دولار، منها 6.8 ملايين دولار ثمن الذخائر المستخدمة فقط خلال ضربة استغرقت عشر ثوانٍ. أرقام تعكس الطابع غير المسبوق لهذه العملية العسكرية على الأراضي اللبنانية.
لبنان بين الحداد والانقسام
شكّل مقتل نصرالله محطة مفصلية في تاريخ لبنان الحديث. فقد كان شخصية مركزية في المشهدين السياسي والعسكري لأكثر من ثلاثة عقود، وأثار مواقف متناقضة بين اللبنانيين. فبالنسبة لشريحة واسعة، ولا سيما في البيئة الشيعية، مثّل رمزاً لـ«المقاومة» في مواجهة إسرائيل. في المقابل، رأت فيه فئات لبنانية أخرى تجسيداً للهيمنة الإيرانية على القرار اللبناني وتهديداً مباشراً لسيادة الدولة.
ووفقاً لوزير الخارجية اللبناني عبد الله بو حبيب، كان نصرالله قد وافق على وقفٍ مؤقت لإطلاق النار قبل أيام من اغتياله، في وقت كانت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يدعوان إلى هدنة تمتد 21 يوماً. هذه المعطيات تفتح الباب أمام تساؤلات عمّا كان يمكن تفاديه.
تداعيات على السيادة اللبنانية
الضربة التي استهدفت بيروت، ونُفّذت من دون أي إنذار مسبق، وأدّت إلى تدمير أحياء سكنية كاملة، أعادت تسليط الضوء على هشاشة السيادة اللبنانية. فقد بدا لبنان دولة عاجزة عن حماية عاصمته، ومواطنيه، وأجوائه، مكتفياً بدور المتفرّج أمام عملية عسكرية ضخمة نُفّذت في قلب بيروت.
هذا العجز يعكس الأزمة العميقة التي تعيشها الدولة اللبنانية، في ظل مؤسسات منهكة بفعل الفساد والانقسامات السياسية والانهيار الاقتصادي. كما يسلّط الضوء على واقع حزب الله، الذي وإن كان تنظيماً لبنانياً، إلا أنه يتحرّك إلى حدّ بعيد خارج إطار الدولة، مكرّساً تورّط البلاد في صراعات إقليمية دفعت كلفتها الفئات المدنية.
مخاطر التصعيد
منذ 23 أيلول/سبتمبر 2024، تاريخ بدء التصعيد المكثّف للغارات الإسرائيلية، قُتل أكثر من 700 شخص في لبنان، وأُصيب ما يزيد على 5 آلاف، فيما نُزح مئات الآلاف من المدنيين. ويأتي اغتيال نصرالله ضمن سلسلة هجمات غير مسبوقة، شملت أيضاً تفجيرات أجهزة «البيجر» وأجهزة الاتصال اللاسلكي في منتصف أيلول، والتي أوقعت عشرات القتلى.
بالنسبة للبنانيين، أعادت هذه الأحداث إلى الذاكرة جراح حرب عام 2006، وأحيت المخاوف من اندلاع حرب مدمّرة جديدة. وفي ظل أزمة اقتصادية خانقة وغير مسبوقة، بدا لبنان عاجزاً عن تحمّل كلفة حرب إضافية.
خاتمة
ستبقى العملية التي أدّت إلى مقتل حسن نصرالله واحدة من أكثر الضربات كلفةً وتدميراً التي نفّذتها إسرائيل على الأراضي اللبنانية. وبالنسبة للبنانيين، لا يختصر اغتياله إنهاء مسيرة قائد مثير للجدل فحسب، بل يشكّل تذكيراً قاسياً بمدى عجزهم عن التحكّم بمصير بلدهم، في ظل صراعات إقليمية ودولية تُدار فوق رؤوسهم ومن دون إرادتهم.
