علي لاريجاني
ليس رئيسًا، ولا مرشدًا أعلى، ولا قائدًا عامًا للجيش. ومع ذلك، فمنذ مطلع عام 2026، هو من يدير إيران فعليًا. علي لاريجاني، البالغ من العمر 67 عامًا، سياسي مخضرم وقائد سابق في الحرس الثوري، أصبح الرجل الأقوى في الجمهورية الإسلامية — الرجل الذي لجأ إليه علي خامنئي لضمان بقاء النظام في مواجهة تهديد أمريكي غير مسبوق.
ابن النظام الذي أصبح حارس العرش
وُلد علي أردشير لاريجاني في النجف بالعراق عام 1958، وهو أحد أبرز نتاجات النخبة الإسلامية الإيرانية. والده آية الله ميرزا هاشم آملي، أحد كبار رجال الدين الشيعة. جمع لاريجاني بين الإيمان والعلم: حاصل على دكتوراه في الفلسفة الغربية من جامعة طهران، وله دراسات أكاديمية حول كانط وكريبكه. يمثّل نموذج “التكنوقراطي الديني” الذي طالما قدّره النظام الإيراني.
عائلته تُعدّ سلالة سياسية بحد ذاتها، إذ شغل أفرادها أعلى المناصب في السلطتين التشريعية والقضائية في آن واحد. أما هو، فقد ترأس مجلس الشورى الإيراني لمدة اثني عشر عامًا، من 2008 إلى 2020.
علاقته بالمرشد الأعلى علي خامنئي تتجاوز حدود الولاء المؤسسي؛ فهي علاقة ثقة تراكمت عبر عقود، في كواليس أخطر أزمات الجمهورية الإسلامية. في عام 2005 عيّنه خامنئي كبيرًا للمفاوضين النوويين في مواجهة القوى الغربية. لعب لاريجاني لعبة الدبلوماسية بوعي دقيق لموازين القوى، مجسّدًا ما يمكن وصفه بـ“المحافظة البراغماتية” التي تميّز الناجين داخل النظام. وفي عام 2020، أصبح أحد مستشاري المرشد الشخصيين. عندها لم يعد مجرد خادم للنظام، بل امتدادًا مباشرًا له.
بزشكيان في الظل : رئاسة بلا مضمون
عندما انتُخب مسعود بزشكيان رئيسًا عام 2024، أثار انتخابه آمالًا حذرة. الطبيب الإصلاحي المعتدل بدا وكأنه يمثل انفراجة ممكنة داخل النظام. لكن سرعان ما اصطدمت تلك الآمال بواقع السلطة في إيران.
هو من وقّع رسميًا مرسوم تعيين لاريجاني رئيسًا للمجلس الأعلى للأمن القومي في أغسطس 2025 — وبذلك ختم عمليًا تهميشه السياسي.
ووفقًا لصحيفة نيويورك تايمز التي نقلت عن ستة مسؤولين إيرانيين كبار، فإن لاريجاني “تولى فعليًا إدارة الشؤون الرئيسية في البلاد” منذ يناير 2026. أما بزشكيان، فـ“لا يزال يقدّم نفسه كطبيب ويرفض تحمّل مسؤولية الأزمات الكبرى”. حتى ملفات يومية كقضية إعادة فتح الإنترنت كانت تُرفع إلى لاريجاني لا إلى الرئاسة. هكذا تبدّل ميزان السلطة الواقعي: المجلس الأعلى للأمن القومي بات يتفوّق عمليًا على مؤسسة الرئاسة. لاريجاني يحكم، وبزشكيان يترأس.
حارس النظام في مواجهة التهديد الأمريكي
صعود لاريجاني إلى قلب السلطة جاء في سياق استراتيجي مضطرب. ففي يونيو 2025، كشفت حرب الأيام الاثني عشر الجوية مع إسرائيل هشاشة البنية النووية والعسكرية الإيرانية. الضربات الأمريكية على منشأتي نطنز وفوردو سرّعت إدراكًا خطيرًا داخل النظام: الجمهورية الإسلامية يجب أن تستعد لاحتمال “قطع الرأس” — أي استهداف قيادتها مباشرة.
في هذا المناخ الوجودي، عهد خامنئي إلى لاريجاني بمهمة غير مسبوقة: ضمان استمرارية النظام في حال الحرب أو الهجوم أو اغتيال القيادة.
كلّف برسم خرائط الخلافة في المناصب الحساسة، والتنسيق مع قادة الحرس الثوري، والحفاظ على قنوات تواصل مع الحلفاء الإقليميين — روسيا وقطر وسلطنة عُمان — وكذلك مع المفاوضين الأمريكيين في الملف النووي. وكان قد حذّر في مارس 2025 من أن إيران “لن تجد خيارًا سوى تطوير سلاح نووي” إذا تعرّضت لهجوم أمريكي أو إسرائيلي — تحذير محسوب بلغة البراغماتيين.
سيرته تبدو مصمّمة لهذا الظرف: مفاوض نووي سابق يتقن لغة العواصم الغربية، قائد سابق في الحرس الثوري يفهم الشبكات العسكرية، ورئيس برلمان سابق يتمتع بشرعية مؤسساتية. ويصفه محللون في “تشاتام هاوس” بأنه “محافظ براغماتي” و“لاعب ماهر” قادر على إدارة عدة ملفات في آن واحد. بالنسبة لخامنئي، هو “الرجل الحساس والحرج لهذه المرحلة”.
عقوبات واحتجاجات ومستقبل غامض
لكن الصورة لا تكتمل دون الوجه الآخر: وجه القمع. ففي يناير 2026 فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات عليه لدوره في قمع الاحتجاجات الشعبية التي اندلعت منذ ديسمبر 2025. أطلقت قوات الأمن الرصاص الحي على المتظاهرين، ويُقال إن لاريجاني دعا علنًا إلى استخدام القوة. ووفق التصريحات الرسمية في واشنطن، فهو “العقل المدبر” للقمع.
ومع ذلك، حتى خصومه يقرّون بصعوبة الاستغناء عنه في اللحظة الراهنة. فهو ليس مرجعًا دينيًا كبيرًا (آية الله عظمى)، ما يمنعه دستوريًا من خلافة خامنئي. لكنه قد يكون الوصيّ، مدير المرحلة الانتقالية، الرجل الذي يمسك بخيوط النظام بينما يتفاوض رجال الدين على المستقبل.
في إيران العالقة بين ضغط الشارع، والتهديد العسكري الخارجي، وشيخوخة مرشدها الأعلى، أصبح علي لاريجاني تجسيدًا لما تُنتجه الأنظمة السلطوية في لحظات الخطر: الرجل الذي لا يمكن الاستغناء عنه.
