في صباح الأحد 8 شباط/فبراير 2026، عاشت طرابلس مأساة جديدة. فقد انهار مبنى من أربعة طوابق في شارع سوريا، داخل حي باب التبانة الفقير، ما أسفر عن مقتل ستة أشخاص على الأقل، بينهم طفل يبلغ من العمر عامين. كما أُصيب ثمانية آخرون، جرى انتشالهم من تحت الأنقاض على يد فرق الصليب الأحمر اللبناني والدفاع المدني. وبذلك تسجّل المدينة الثانية في لبنان ثالث انهيار مميت خلال أقل من شهر واحد.
سلسلة سوداء تتسارع
وعقب الكارثة، أعلن رئيس بلدية طرابلس عبد الحميد كريمة استقالته، مطالباً الحكومة بإعلان باب التبانة منطقة منكوبة. ويقع المبنى المنهار مقابل مبنى آخر كان قد انهار في 7 كانون الثاني/يناير الماضي، في مشهد يجسّد التمركز الخطير للأبنية المهددة في أحياء محددة من المدينة.
وفي 7 كانون الثاني، انهار مبنيان متجاوران في حي ظهر المغرب، ولم ينجُ السكان إلا بعدما أُطلقت عيارات نارية في الهواء لتحذير الأهالي. أما في 24 كانون الثاني، فقد شهد حي القبة انهيار مبنى من خمسة طوابق، حاصر عائلة سورية كانت على دراية بالمخاطر، لكنها لم تملك أي بديل سكني.
105 أبنية بحاجة إلى إخلاء فوري
الأرقام التي كشفتها السلطات مقلقة للغاية: 105 أبنية في طرابلس تتطلب إخلاءً فورياً، في حين أن نحو 700 مبنى آخر مصنّف ضمن فئة المخاطر المتوسطة إلى العالية. وفي عام 2022، كانت البلدية قد أحصت 236 مبنى مهدداً. إلا أن الزلزال الذي ضرب تركيا وسوريا في شباط/فبراير 2023، وشُعرت ارتداداته في لبنان، أدى إلى ارتفاع العدد بشكل كبير ليصل إلى ما بين 800 و1000 مبنى خطير.
وقد لعبت الأمطار الغزيرة في كانون الثاني/يناير 2026 دور المسرّع للكارثة، إذ تسربت المياه إلى الشقوق، وأثقلت الهياكل، وأضعفت الأساسات التي أنهكتها عقود من الإهمال. وتعود أعمار العديد من هذه الأبنية إلى أكثر من خمسين عاماً، وتحمل آثار الحرب الأهلية، من دون أن تخضع لأي صيانة تُذكر.
فخّ الفقر
الأزمة الاقتصادية التي تعصف بلبنان منذ عام 2019 حوّلت وضعاً صعباً إلى كارثة إنسانية. فقدت الليرة اللبنانية 98% من قيمتها، وتجاوزت نسبة الفقر في طرابلس 60%، فيما تعيش عائلات كثيرة بأقل من 200 دولار شهرياً، في وقت لا يقل فيه بدل الإيجار البديل عن 300 دولار.
هذا العجز المالي عن الانتقال يفسّر لماذا تستمر عائلات في السكن داخل مبانٍ متشققة، وهي على وعي كامل بالخطر. إذ إن ترميم مبنى واحد يؤوي نحو 400 شخص يتطلب أكثر من 30 ألف دولار، وهو مبلغ يفوق قدرة السكان والسلطات المحلية المفلسة على حد سواء.
حيوات مكسورة
تتكرر المآسي الإنسانية. ففي حزيران/يونيو 2022، فقدت الطفلة جمانة ديكو (خمس سنوات) حياتها جراء انهيار مبنى. ويستذكر والدها قائلاً: «حين وصلنا إلى ابنتي، كانت قد فارقت الحياة». وفي تشرين الأول/أكتوبر 2021، توفيت شقيقتان إثر انهيار شرفة. وفي كانون الأول/ديسمبر 2024، قُتل عنصران من الإطفاء في حريق. وها هي طرابلس تسجل اليوم ست ضحايا جدد.
وعود بلا إمكانات
في مواجهة الكارثة، وجّه رئيس الجمهورية جوزاف عون بتعبئة جميع أجهزة الطوارئ في البلاد، فيما تولّى رئيس الحكومة نواف سلام تنسيق عمليات الإنقاذ. ودعت وفود دينية إلى إنشاء «مجلس خاص لطرابلس والشمال» يتمتع بصلاحيات سريعة لاتخاذ القرار.
وكان رئيس البلدية المستقيل قد طالب بميزانية مماثلة لـ250 مليون دولار خُصصت للجنوب المتضرر من الحرب الإسرائيلية. كما أعلن نواب عن إنشاء صندوق لترميم الأبنية. غير أن الواقع يُظهر أن بيروت لم تحصل في عام 2025 سوى على 15 مليون دولار لأعمال مشابهة، غطّت بالكاد 5% من الاحتياجات الفعلية.
طوارئ مُهملة
مع وجود 105 أبنية تتطلب إخلاءً فورياً و700 أخرى مهددة، فإن كارثة هذا الأحد لن تكون الأخيرة. فالأمطار الشتوية المتواصلة تزيد الوضع سوءاً، وفي أحياء طرابلس الفقيرة تعيش عائلات داخل مبانٍ متشققة، أسيرة فقرها، تنتظر عاجزة أن يأتي دورها.
بالنسبة لهذه المدينة المنسية في لبنان، لم يعد السؤال ما إذا كانت أبنية أخرى ستنهار، بل متى سيحدث ذلك، وكم من الأرواح ستُزهق قبل أن تُتخذ إجراءات حقيقية تضع حداً لهذا النزيف الصامت.
