رئيسان في زمن الحرب : زيلينسكي في الصفوف الأمامية، وبزشكيان غائب

في زمن الحرب، تتحول تواصلات رئيس الدولة إلى سلاح بحد ذاته. لنقارن بين أزمتين، وأسلوبين، ونظامين: من جهة فولوديمير زيلينسكي في فبراير 2022، ومن جهة أخرى مسعود بزشكيان في 28 فبراير 2026. أحدهما جسّد شعبه. والآخر… يكاد يكون غير موجود.

في 24 فبراير 2022، وبعد ساعات قليلة من بدء الضربات الروسية على كييف، خرج فولوديمير زيلينسكي إلى الشارع. يرتدي قميصًا عسكريًا بلون الكاكي، ممسكًا هاتفه، ووجهه مضاءً بأضواء الشوارع. في مساء اليوم الأول للغزو، ظهر الرئيس الأوكراني في مقطع مصوّر، مرتديًا قميصًا بسيطًا، محاطًا بمسؤولين عسكريين وحكوميين، وهو يصوّر نفسه في شوارع كييف. الرسالة التي أطلقها — «نحن جميعًا هنا» — تحولت خلال ساعات إلى رمز للمقاومة. وقد حصد هذا الفيديو المصوّر بطريقة “السيلفي” ثلاثة ملايين مشاهدة خلال ساعة واحدة فقط.

بعد أربع سنوات، في 28 فبراير 2026، تطلق إسرائيل والولايات المتحدة هجومًا واسعًا ضد إيران. يُقتل المرشد الأعلى الإيراني، آية الله علي خامنئي، في الضربة. تُقطع رأس الدولة الإيرانية حرفيًا. وفي هذه اللحظة من الذهول الوطني، أين رئيس الجمهورية الإسلامية مسعود بزشكيان؟ على الشاشات… يكاد لا يُرى.

زيلينسكي : فن الظهور

منذ اليوم الأول، قرر زيلينسكي أن عليه أن يشرح للناس ما يحدث. كانت مقاطع الفيديو التي ينشرها غير رسمية للغاية، وغالبًا ما تُسجَّل بهاتفه المحمول في وضعية السيلفي. هذا القرار — أن يبقى مرئيًا وأن يبقى جسديًا في العاصمة المحاصرة — غيّر كل شيء. وعندما عرض عليه مسؤولون أمريكيون مغادرة أوكرانيا، جاء ردّه الذي دخل التاريخ: «أنا بحاجة إلى ذخيرة، لا إلى وسيلة نقل».

في محاولة للتميّز، اختار زيلينسكي أن يصوّر نفسه بين سكان كييف، مانحًا تدخلاته عبر الوسائط الرقمية طابع حديث مباشر، كأنه ينظر في عيون شعبه من جهة، وفي عيون المجتمع الدولي من جهة أخرى. استثمر الممثل السابق كل أدوات خبرته: زاوية التصوير، النظرة المباشرة إلى الكاميرا، غياب جهاز قراءة النصوص، واللباس العسكري البسيط. كل شيء يقول رسالة واحدة: أنا هنا، لن أهرب، ونحن نقاوم.

والنتيجة أن المجتمع بأكمله التف حول الرئيس. فقد نجح في تجسيد أوكرانيا ومعركتها، داخل البلاد وخارجها. ومن خلال ظهوره في اللحظة التي كان الجميع يتوقع فيها الاختباء، حوّل زيلينسكي مجرد بقائه حيًا إلى فعل سياسي بحد ذاته.

بزشكيان : الغائب في نظام مأزوم

الوضع في إيران مختلف جذريًا، وليس فقط بسبب السياق الجيوسياسي. فمنذ الساعات الأولى للضربات الأمريكية-الإسرائيلية، ظهر وجهان آخران يهيمنان على المشهد الإعلامي.

من جهة، علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي. فقد توعّد يوم الأحد بضرب الولايات المتحدة وإسرائيل بقوة غير مسبوقة، حتى إنه استخدم الكتابة بالأحرف الكبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي، على طريقة دونالد ترامب. هو الذي يدير مرحلة الانتقال بعد مقتل خامنئي، وهو الذي يعلن القرارات الأمنية، وهو الذي يخاطب العالم. علي لاريجاني، المقرب من خامنئي، والذي يبدو أن دونالد ترامب يراهن عليه لضمان استقرار النظام، يُقدَّم كشخصية وفية وبراغماتية ودبلوماسية قادرة على تأمين استمرارية السلطة.

ومن جهة أخرى، عباس عراقجي، وزير الخارجية. فقد أعلن أن إيران لا تضع «أي حدود» لحقها في الدفاع عن نفسها في مواجهة الحملة الواسعة من الضربات الإسرائيلية-الأمريكية. وهو الذي يظهر على قناة ABC، وهو الذي يتواصل مع العواصم الدبلوماسية، وهو الذي يجسّد الصوت الإيراني على الساحة الدولية.

أما بزشكيان، فلا يظهر إلا عبر بيانات تُقرأ على التلفزيون الرسمي. فقد أعلن يوم الأحد أن الثأر لمقتل المرشد الأعلى حق وواجب مشروع للجمهورية الإسلامية، في بيان بثه التلفزيون الحكومي. لا فيديو سيلفي. لا ظهور علني. مجرد صوت بلا وجه.

نظامان… ومنطقان مختلفان

غياب بزشكيان ليس حادثًا في التواصل الإعلامي، بل يكشف البنية العميقة للسلطة في إيران. فثلاثة مسؤولين كبار — من بينهم الرئيس مسعود بزشكيان — سيتولون إدارة المرحلة الانتقالية بعد مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي. وهو ثلاثي يتكوّن من بزشكيان، ورئيس السلطة القضائية، وأحد فقهاء مجلس صيانة الدستور. لكن داخل هذا الثلاثي يبقى بزشكيان الحلقة الأضعف: رئيس إصلاحي انتُخب على وعود بالانفتاح، لكنه لم يمسك يومًا فعليًا بزمام نظام تهيمن عليه الحرس الثوري والأجهزة الأمنية.

في المقابل، كان وضع زيلينسكي عام 2022 معاكسًا تمامًا: سلطة رسمية كاملة، خبرة عسكرية محدودة، لكن شرعية ديمقراطية قوية وإتقان واضح لقواعد التواصل الإعلامي. وقد تمثلت استراتيجيته في سد الفجوة بين قلة خبرته كقائد حرب ومهارته الكبيرة كمُتواصل إعلامي. ربما لم يكن يعرف تمامًا كيف يكون قائدًا عسكريًا، لكنه كان يعرف كيف يتواصل كما لو كان كذلك.

قائد الحرب ليس دائمًا من نظن

هذه المقارنة تكشف حقيقة أساسية عن الحروب الحديثة: إن ظهور القائد بات بحد ذاته عنصرًا استراتيجيًا. فالرئيس الذي يختفي يرسل إشارة بالفوضى وربما بالعجز. أما الرئيس الذي يظهر — حتى لو كان في ملجأ، أو على شاشة هاتف — فيقول لشعبه وللعالم إنه ما زال صامدًا.

بزشكيان ليس جبانًا. بل هو مقيد بنيويًا داخل نظام لم يكن الرئيس فيه يومًا صاحب القرار الحقيقي. لكن في الساعات الثماني والأربعين الأولى من حرب وجودية، فإن هذا الغياب يكلّف كثيرًا على المستوى الرمزي. ففي الوقت الذي يغرّد فيه لاريجاني بالأحرف الكبيرة، ويظهر عراقجي على القنوات الأمريكية، لا يوجد رئيس الدولة الإيرانية في الفضاء الإعلامي العالمي إلا كتوقيع في أسفل بيان.

أما زيلينسكي، فقد فهم منذ الليلة الأولى أن مجرد البقاء على قيد الحياة لا يكفي: يجب أن يُرى أنك ما زلت حيًا.

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading