منذ تأسيسه في ثمانينيات القرن الماضي، رسّخ حزب الله مكانته تدريجيًا كواحد من أقوى الفاعلين وأكثرهم إثارة للجدل في لبنان.
نشأ الحزب في خضم الحرب الأهلية والاحتلال الإسرائيلي وتهميش الطائفة الشيعية، وقدّم نفسه في البداية كقوة مقاومة.
لكن على مرّ العقود، تجاوز الحزب هذا الدور الأولي ليصبح منظمة هجينة، تجمع بين القوة العسكرية والنفوذ السياسي والجذور الاجتماعية العميقة.
اليوم، لم يعد حزب الله مجرد ميليشيا مسلحة مدعومة من إيران، بل هو أيضًا حزب سياسي مؤثر، ممثل في البرلمان والحكومة اللبنانية، وقادر على التأثير في القرارات الوطنية الكبرى.
يُمكّنه هذا الدور المزدوج من العمل داخل المؤسسات وخارجها، مما يُطمس الحدود بين شرعية الدولة والسلطة الموازية.
يُعدّ أحد أركان ترسيخه شبكته الواسعة من برامج الرعاية الاجتماعية. يُقدّم حزب الله خدمات أساسية – كالرعاية الطبية والتعليم والمساعدات المالية – لا سيما في المناطق التي أهملتها الدولة لفترة طويلة.
تضمن هذه الاستراتيجية لحزب الله قاعدة شعبية موالية، لا سيما داخل المجتمع الشيعي، وتعزز صورته كحامٍ في أوقات الأزمات.
إلا أن هذا الترسخ يثير مخاوف عميقة. فبالنسبة لكثير من اللبنانيين، بات حزب الله يمثل “دولة داخل الدولة”، يمتلك جيشه الخاص، وشبكاته الاقتصادية، وتحالفاته الإقليمية.
إن ترسانته العسكرية، المستقلة عن سيطرة الدولة، فضلاً عن انخراطه في الصراعات الإقليمية، وخاصة في سوريا، يغذي الانتقادات الموجهة إليه باعتباره انتهاكًا مباشرًا للسيادة اللبنانية.
وبينما يقع حزب الله بين الشرعية الشعبية والمعارضة المتزايدة، يبقى في قلب مفارقة لبنانية: كونه فاعلاً يسد الثغرات في الدولة، وفي الوقت نفسه يساهم في استمرارها. معادلة معقدة لا تزال تشكل مستقبل لبنان السياسي والأمني.
لذا، يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن لدولة أن تدعي السيادة الكاملة طالما أن قوة مسلحة، مهما بلغت قوتها، تبقى خارج سيطرتها؟
