حزب الله في قلب التوترات اللبنانية–الأميركية

منذ عقود، يشكّل حزب الله محوراً أساسياً في العلاقات المعقّدة والمتقلّبة بين لبنان والولايات المتحدة. فهذا التنظيم، الذي يجمع بين كونه حركة سياسية وقوة عسكرية وفاعلاً اجتماعياً، يقف في صميم مشهد جيوسياسي تتقاطع فيه المصالح الأميركية والإيرانية والإقليمية، ما يضع سيادة لبنان واستقراره أمام اختبارات متواصلة.

فاعل لا يمكن تجاهله في الساحة اللبنانية

  تأسّس حزب الله عام 1982 رداً على الاجتياح الإسرائيلي للبنان، ومع مرور الوقت فرض نفسه لاعباً أساسياً في الحياة السياسية اللبنانية. وبفضل الدعم العسكري والمالي الذي تلقّاه من إيران وسوريا، طوّر الحزب جهازاً عسكرياً يُعدّ من بين الأقوى في الشرق الأوسط، متجاوزاً في قدراته الجيش اللبناني الرسمي. هذا الصعود المتسارع أثار قلق واشنطن، التي ترى في حزب الله امتداداً مباشراً للنفوذ الإيراني في المنطقة.

استراتيجية أميركية قائمة على الضغط الأقصى

  تشدّدت المواقف الأميركية تجاه حزب الله تدريجياً على مدى السنوات. فمنذ تصنيفه منظمة إرهابية عام 1997، يخضع الحزب لسلسلة من العقوبات الاقتصادية القاسية الهادفة إلى إضعافه وتقليص نفوذه. وتتهم واشنطن الحزب بالضلوع في هجمات استهدفت مصالح أميركية، أبرزها تفجير بيروت عام 1983 الذي أودى بحياة 241 جندياً أميركياً. كما تحمّله مسؤولية المساهمة في زعزعة الاستقرار الإقليمي عبر دعمه للنظام السوري وعدائه لإسرائيل، الحليف الاستراتيجي للولايات المتحدة.

لبنان بين فكّي كماشة

  تضع هذه السياسة الأميركية لبنان في موقع بالغ الحساسية. فالبلاد تجد نفسها ممزّقة بين اعتمادها على المساعدات الاقتصادية والعسكرية الأميركية، وبين واقعها السياسي الداخلي حيث يتمتع حزب الله بتمثيل برلماني وازن وقاعدة شعبية واسعة داخل الطائفة الشيعية. وفي ظل هذا التوازن الهش، يعجز أيّ حكومة لبنانية عن نزع سلاح الحزب، كما تطالب قرارات الأمم المتحدة والضغوط الأميركية، من دون المخاطرة بانزلاق البلاد إلى صراع داخلي جديد.

عقوبات بتداعيات اقتصادية ثقيلة

  خلّفت العقوبات الأميركية، ولا سيما تلك المفروضة بموجب «قانون قيصر»، آثاراً عميقة على الاقتصاد اللبناني المنهك أصلاً. فعلى الرغم من أن هذه الإجراءات تستهدف بالأساس سوريا وحلفاءها، فإن تشابك الاقتصادين اللبناني والسوري وثقل حزب الله في بعض القطاعات يجعلان لبنان متضرراً مباشراً. ومع خشية المصارف اللبنانية من العقوبات الثانوية، تقلّصت المعاملات المالية، ما فاقم الأزمة المصرفية والنقدية المستمرة منذ عام 2019.

حلقة مفرغة من الاعتماد المتبادل

  تزيد مسألة حزب الله تعقيد جهود إعادة إعمار لبنان بعد الانفجار المدمّر في مرفأ بيروت عام 2020. فالولايات المتحدة تربط مساعداتها بإصلاحات بنيوية وبالحدّ من نفوذ الحزب داخل المؤسسات، وهي شروط يعتبرها جزء من اللبنانيين تدخلاً في الشؤون الداخلية. ويؤدي هذا الواقع إلى حلقة مفرغة، إذ تعزّز الأزمة الاقتصادية حضور حزب الله، الذي يقدّم نفسه درعاً في وجه الضغوط الغربية ويحافظ على شبكات دعمه الاجتماعي للفئات الأكثر هشاشة.

ساحة مواجهة إقليمية

  على المستوى الإقليمي، تندرج المواجهة بين الولايات المتحدة وحزب الله ضمن الصراع الأوسع بين واشنطن وطهران. وهكذا يتحوّل لبنان إلى ساحة مواجهة غير مباشرة تتجاوز رهاناتها حدوده. وقد أعادت التوترات الأخيرة على الحدود اللبنانية–الإسرائيلية، ولا سيما بعد اندلاع الحرب في غزة، إحياء المخاوف من تصعيد إقليمي قد يدفع لبنان ثمنه باهظاً.

نحو أفق غير واضح

  أمام هذا المأزق، تتعالى الدعوات إلى تسوية سياسية تُمكّن لبنان من استعادة سيادته من دون السقوط في الفوضى. غير أن تحقيق ذلك يتطلّب حواراً إقليمياً يشمل جميع الأطراف المعنية، وهو مسار لا يزال بعيد المنال في ظل تباعد المواقف. وفي انتظار أي اختراق، يواصل لبنان دفع كلفة هذه التوترات، فيما يتطلّع شعبه إلى استعادة الاستقرار والازدهار.

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading