حزب الله : الاستقالة التاريخية لوفيق صفا تكشف أزمة داخلية عميقة

للمرة الأولى في تاريخ حزب الله، يغادر مسؤول رفيع منصبه. ففي 6 شباط/فبراير 2026، وافق الحزب على استقالة وفيق صفا، رئيس وحدة الارتباط والتنسيق منذ نحو أربعة عقود. وتمثّل هذه الخطوة التاريخية منعطفًا مفصليًا في مسيرة تنظيم يواجه أخطر أزمة وجودية منذ تأسيسه عام 1982.

رجل المهام الخاصة

لم يكن وفيق صفا مجرد مسؤول عادي. وُلد عام 1960 في بلدة زبدين قرب النبطية، وهو زوج شقيقة الأمين العام السابق حسن نصرالله، وكان يُعد من رموز الحرس القديم داخل الحزب. واعتُبر عمليًا بمثابة «وزير الدفاع» غير المعلن، إذ لعب دور الوسيط الرئيسي بين الحزب والأجهزة الأمنية اللبنانية، وأشرف على بنية تهريب السلاح مستفيدًا من علاقاته داخل الجمارك والمرافئ والمطار.

واشتهر صفا بأساليبه الصارمة. ففي عام 2021، هدّد قضاة في قصر العدل في بيروت على خلفية التحقيق في انفجار مرفأ بيروت، ما أثار موجة استنكار واسعة على المستويين المحلي والدولي.

تحوّل في المسار الاستراتيجي

ورغم أن بعض وسائل الإعلام تحدثت عن «إقصاء»، إلا أن الواقع يبدو أكثر تعقيدًا. ونقل مصدر مقرّب من الحزب لصحيفة «لوريان لو جور» قوله: «نحن في مرحلة تتطلب إعادة النظر في المهام والمسؤوليات، ويفضَّل اعتماد نهج أكثر هدوءًا وتجنّب الاستفزاز».

ويبدو أن أساليب صفا الصدامية لم تعد تتماشى مع الاستراتيجية الجديدة التي تعطي الأولوية للحوار بدلًا من المواجهة. كما تشير مصادر إلى وجود توتر في العلاقة بين صفا والأمين العام الجديد نعيم قاسم، الذي طلب منه حصر دوره في الإطار الأمني. وقد فرضت حرب 2024 المدمّرة، التي أدت إلى مقتل حسن نصرالله وخليفته المفترض هاشم صفي الدين وجزء كبير من القيادة، ضرورة إجراء تغييرات عميقة.

صعود وجوه جديدة

يفتح رحيل صفا الباب أمام جيل جديد من القيادات الأقل شهرة، لكن يُنظر إليها على أنها أكثر ملاءمة للمرحلة الحالية. فقد تولّى حسين عبدالله، المقرّب من نعيم قاسم ومستشاره السياسي مؤخرًا، رئاسة وحدة أعيد تعريفها كهيئة تقنية بحتة. كما يشرف أحمد مهنا على قنوات الاتصال مع الدولة والجهات الخارجية، في إطار مقاربة يُتوقع أن تكون أكثر اعتدالًا.

ويبرز اسم محمد رعد، رئيس كتلة «الوفاء للمقاومة» منذ عام 1992، كأحد أبرز المرشحين لتولي منصب نائب الأمين العام، في مؤشر على تفضيل شخصيات سياسية غير دينية. كذلك، تولّى النائب إبراهيم الموسوي قيادة «هيئة إعلامية» جديدة، فيما كُلّف الوزير السابق محمد فنيش بإعادة تنظيم المجلس التنفيذي.

نعيم قاسم يقود المرحلة الانتقالية

في قلب هذه التحولات يقف نعيم قاسم، البالغ 72 عامًا، والذي انتُخب أمينًا عامًا رابعًا للحزب في تشرين الأول/أكتوبر 2024 بعد 33 عامًا كنائب للأمين العام. وعلى خلاف سلفه الكاريزمي، يُعرف قاسم بكونه منظّرًا ومنظمًا أكثر منه قائدًا عسكريًا. وهو حاصل على شهادة ماجستير في الكيمياء، ولطالما كان الواجهة السياسية والإعلامية للحزب، حيث أدار حملاته الانتخابية وأسهم في صياغة خطابه الأيديولوجي.

وتعكس هذه التغييرات محاولة لإعادة ضبط علاقة الحزب مع الدولة اللبنانية وترميم صورته العامة. ويوضح المحلل يوسف دياب: «برز داخل الحزب تياران واضحان: جناح متشدد يدعو إلى التصعيد، وآخر براغماتي يرى ضرورة اعتماد نهج مختلف». ورغم محاولته الظهور كحزب سياسي تقليدي، يتمسك قاسم بموقفه الرافض لنزع سلاح الحزب.

تحديات كبيرة

رغم هذه التعديلات، يواجه حزب الله تحديات جسيمة. فقد خسر خطوط تهريب السلاح الرئيسية عبر سوريا بعد سقوط نظام الأسد. كما وضع اتفاق وقف إطلاق النار الموقّع في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024 الحزب في موقع حرج، في ظل تأكيد الحكومة اللبنانية أن «السلاح يجب أن يكون حصريًا بيد الدولة». وفي الوقت نفسه، استمرت الضربات الجوية، مع تسجيل ما لا يقل عن 50 غارة في كانون الثاني/يناير 2026، أي ضعف العدد المسجّل في كانون الأول/ديسمبر.

وتجري هذه التحولات برعاية إيرانية واضحة، حيث يحظى نعيم قاسم بدعم طهران لتعزيز سلطته. ويشير المركز الدولي لدراسات مكافحة الإرهاب إلى أن «رحيل صفا يعكس مرحلة انتقالية يقودها قاسم بدعم إيراني، بهدف تركيز السلطة والتكيف مع الضغوط الدولية».

حزب الله جديد ؟

يمثّل خروج وفيق صفا وصعود قيادات جديدة نقطة تحوّل في مسار الحزب، الذي يحاول الانتقال من موقع المواجهة العسكرية المباشرة إلى دور سياسي أكثر بروزًا، مع الحفاظ على بنيته العسكرية. ويبقى السؤال: هل نحن أمام تحول استراتيجي حقيقي أم مجرد إعادة تموضع تكتيكي؟

الإجابة ستعتمد على قدرة الحزب على مواجهة الضغوط المتزايدة لنزع سلاحه، وإعادة بناء قدراته العسكرية. فحزب الله عام 2026 لم يعد كما كان في عهد حسن نصرالله: أضعف عسكريًا، لكنه لا يزال لاعبًا سياسيًا مؤثرًا. وهو يدخل مرحلة جديدة بوجوه مختلفة، قد تكون أكثر توافقًا مع تحديات المرحلة. ويبقى الرهان على ما إذا كان هذا التحول سيمكنه من التكيّف مع واقع لبنان ما بعد الحرب، في ظل تصاعد الدعوات إلى حصر السلاح بيد الدولة وانقسام الرأي العام.

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading