للوهلة الأولى، لا تبدو جزيرة مارغريتا مختلفة عن عشرات الجزر الكاريبية المنتشرة في المياه الفيروزية قبالة سواحل فنزويلا. شواطئها ذات الرمال البيضاء، ومياهها الصافية، وأشجار النخيل التي تزين أفقها، تمنحها صورة بطاقة بريدية مثالية. غير أنّ خلف هذا المشهد السياحي الخلّاب تختبئ حقيقة أكثر قتامة تثير قلق أجهزة الاستخبارات الغربية. فبحسب السلطات الأمريكية، تحوّلت هذه الجزيرة إلى نقطة الارتكاز الرئيسية لحزب الله في نصف الكرة الغربي، حيث يُعتقد أنها تؤوي معسكرات تدريب، وشبكات لتهريب المخدرات، وعمليات واسعة لتبييض الأموال.
موقع استراتيجي في قلب الكاريبي
تقع جزيرة مارغريتا قبالة الساحل الشمالي الشرقي لفنزويلا في البحر الكاريبي، وهي أكبر جزر البلاد. كانت في السابق وجهة سياحية مزدهرة، غير أنّ الأزمة الاقتصادية التي عصفت بفنزويلا أدت إلى تراجع حاد في نشاطها السياحي والاقتصادي. هذا التدهور وفّر بيئة ملائمة للأنشطة غير المشروعة.
يوفر الموقع الجغرافي المعزول للجزيرة درجة عالية من السرية العملياتية، فيما يسهّل وضعها الضريبي الخاص حركة الأموال. كما أن تراجع عدد الرحلات الجوية بنسبة 50% عام 2016 أدى إلى انخفاض مستوى الرقابة الدولية، رغم احتفاظ الجزيرة ببنية تحتية متطورة تشمل مطار سانتياغو مارينيو الدولي، وموانئ بحرية، وفنادق كبيرة.
ثلاثة عقود من التمركز التدريجي
لا تعود جذور وجود حزب الله في أميركا اللاتينية، ولا سيما في جزيرة مارغريتا، إلى السنوات الأخيرة. ففي عام 2003، أشار مارك ستاينتز، المدير السابق لتحليل مكافحة الإرهاب في وزارة الخارجية الأمريكية، إلى وجود جالية عربية تُقدّر بنحو 12 ألف شخص في الجزيرة، يُعتقد أن حزب الله أقام ضمنها خلايا تنظيمية. كما أفاد تقرير في يوليو/تموز 2003 بأن الجزيرة تُستخدم مركزًا لتهريب المخدرات لصالح حزب الله وجماعات إسلامية مسلحة أخرى.
غير أنّ عام 2010 شكّل محطة مفصلية في تصاعد حجم العمليات. إذ كشف الخبير الإسباني أنطونيو سالاس، بعد تسلله إلى مجموعات مرتبطة بحزب الله في فنزويلا، عن وجود ستة معسكرات تدريب في البلاد، بعضها في جزيرة مارغريتا وآخر في العاصمة كاراكاس. وفي عام 2013، أدلى روجر نورييغا، مساعد وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، بشهادة أمام الكونغرس أكد فيها أن الجزيرة أصبحت منذ 2010 المركز الرئيسي لعمليات حزب الله في المنطقة.
وفي عام 2025، صرّح مارشال بيلينغسليا، مساعد وزير الخزانة الأمريكي الأسبق لشؤون تمويل الإرهاب، بأن مارغريتا باتت “نقطة الارتكاز الأساسية لحزب الله في نصف الكرة الغربي”، في تأكيد على الأهمية الاستراتيجية المتزايدة للجزيرة بالنسبة للتنظيم.
معسكرات تدريب وأنشطة عملياتية
وفق شهادات تعود إلى عام 2013، تستضيف الجزيرة معسكرات تدريب يتم فيها تقديم تدريبات تكتيكية تشمل أساليب حرب العصابات، وصناعة المتفجرات، وتقنيات المواجهة مع قوات الأمن. وتشير المعلومات إلى أن هذه التدريبات يشرف عليها في المقام الأول ضباط عسكريون فنزويليون، بمشاركة عناصر من حزب الله، وربما من “فيلق القدس” التابع للحرس الثوري الإيراني.
وتأتي غالبية المجندين من فنزويلا، إضافة إلى دول أخرى في أميركا اللاتينية، ما يعكس طموحًا إقليميًا للشبكة. ولا تقتصر الأنشطة على التدريب العسكري فحسب، بل تشمل تطوير قدرات عملياتية متقدمة تتلاءم مع البيئة اللاتينية.
إنّ الاستعانة بضباط فنزويليين كمدربين تكشف عن مستوى من التعاون يتجاوز حدود التغاضي، ليصل إلى شراكة عسكرية وتكتيكية فعلية، ما يمنح حزب الله ملاذًا استراتيجيًا نادرًا في النصف الغربي من الكرة الأرضية.
تهديد مستمر وأسئلة مفتوحة
تمثل جزيرة مارغريتا حالة فريدة من نوعها لتمركز إقليمي ذي طابع شبه مؤسساتي لتنظيم مصنّف على لوائح الإرهاب في عدد من الدول الغربية. وبغضّ النظر عن مدى دقة التوصيف الأمريكي لحجم الأنشطة، فإنّ وجود شبكة مرتبطة بحزب الله في الجزيرة موثّق على امتداد أكثر من عقدين.
هذا الواقع يطرح تساؤلات جدية حول الأمن الإقليمي، ويُظهر كيف يمكن للعزلة الجغرافية، مقرونة بدعم أو تواطؤ دولة، أن تخلق بيئات حاضنة لأنشطة تتحدى النظام الدولي. ويبقى مستقبل هذا التمركز رهين الضغوط الدولية والتحولات السياسية داخل فنزويلا.
