تعمل اليونيفيل على زيادة جهودها في مجال التوعية بين السكان المدنيين

في جنوب لبنان، حيث يسود عدم الاستقرار الأمني المزمن وتثقل الذاكرة الجماعية بآثار الحروب المتعاقبة، تواصل اليونيفيل أداء دور هادئ لكنه بالغ الأهمية: تدريب وتوعية السكان المدنيين على المخاطر الأمنية، ولا سيما تلك المرتبطة بالذخائر غير المنفجرة والحوادث المسلحة.

بعيدًا عن مهمتها العسكرية المتمثلة في مراقبة وقف إطلاق النار، تنفذ اليونيفيل منذ سنوات برامج توعوية وتعليمية ميدانية تهدف إلى الحد من المخاطر التي يواجهها المدنيون المقيمون قرب المناطق الحساسة. وتستهدف هذه الأنشطة بشكل خاص الفئات الأكثر عرضة للخطر، وفي مقدمتها الأطفال، والمزارعون، والنازحون، وسكان القرى المحاذية للخط الأزرق.

التوعية من أجل الوقاية

تعتمد برامج التوعية بشكل أساسي على التعليم المتعلق بمخاطر الأجسام المتفجرة. ففي المدارس، والمراكز المجتمعية، والبلديات، تنظم فرق اليونيفيل جلسات تفاعلية تشرح كيفية التعرف على الأجسام المشبوهة، والتصرف السليم عند العثور عليها، وضرورة إبلاغ الجهات المختصة دون محاولة التدخل أو الاقتراب منها.

وتركز هذه الإرشادات على سلوكيات بسيطة لكنها حاسمة: عدم اللمس، وعدم النقل، والابتعاد فورًا، ثم الإبلاغ. وفي منطقة لا تزال الذخائر غير المنفجرة منتشرة في الحقول الزراعية وعلى جوانب الطرقات وبالقرب من المنازل، قد تشكل هذه القواعد الفارق بين الحياة والموت.

الأطفال في صلب الاهتمام

يشكل الأطفال إحدى الفئات الأساسية التي تستهدفها حملات التوعية، إذ غالبًا ما تدفعهم البراءة أو الفضول إلى الاقتراب من مخلفات الحرب دون إدراك خطورتها. ولهذا تحرص اليونيفيل على تكييف رسائلها بما يتناسب مع أعمارهم، من خلال وسائل بصرية مبسطة، وأنشطة تطبيقية، وتعاون مباشر مع المعلمين.

ويشير مسؤولون تربويون محليون إلى الأثر الملموس لهذه المبادرات، حيث يتحول الأطفال بعد تلقيهم التوعية إلى سفراء للسلامة داخل أسرهم، ما يسهم في نشر ثقافة الحذر والوقاية على مستوى المجتمع المحلي بأسره.

مقاربة ميدانية قريبة من الناس

تستند فعالية هذه الجهود إلى تعاون وثيق مع الفاعلين المحليين، من بلديات ومدارس وجمعيات أهلية ووجهاء مجتمعيين. ويتيح هذا التعاون مواءمة الرسائل مع خصوصيات كل منطقة، كما يعزز الثقة بين السكان المحليين والبعثة الأممية.

وتشدد اليونيفيل على الطابع غير التدخلي لهذه الأنشطة، مؤكدة أن الهدف ليس فرض تعليمات، بل نقل خبرات عملية مستمدة من تجارب دولية في مناطق ما بعد النزاعات، بما يعزز السلامة اليومية للسكان.

ما بعد مخاطر المتفجرات

لا تقتصر برامج التوعية على مخاطر الذخائر غير المنفجرة فحسب. ففي ظل التوترات العابرة للحدود، يتم أيضًا إرشاد السكان إلى السلوكيات الواجب اتباعها في حال وقوع حوادث مسلحة، أو قصف، أو تحركات عسكرية غير اعتيادية.

وتشمل هذه الإرشادات مبادئ أساسية تتعلق بالحماية الشخصية، وإدارة التنقل، والتواصل مع السلطات المحلية، بهدف الحد من الهلع، وتجنب السلوكيات الخطرة، وتقليص عدد الضحايا المدنيين في حال تدهور الأوضاع الأمنية.

دور غالبًا ما يُغفل

في النقاش العام اللبناني، يُختزل دور اليونيفيل في كثير من الأحيان في بعده العسكري أو السياسي. غير أن أنشطة التدريب والتوعية تشكل ركنًا أساسيًا من عملها الميداني، انطلاقًا من حقيقة بسيطة مفادها أن حماية المدنيين لا تتحقق فقط بالسلاح، بل أيضًا بالمعرفة والوقاية.

وفي بلد يرزح تحت أزمة اقتصادية خانقة ويعاني من هشاشة في القطاع الصحي، فإن كل حادث يُمنع يشكل عبئًا أقل على العائلات والمؤسسات المحلية.

مهمة طويلة الأمد

يؤكد مسؤولو اليونيفيل أن هذه الجهود تندرج ضمن رؤية طويلة الأمد. فطالما بقيت مخلفات الحرب موجودة، واستمرت التوترات الأمنية، ستظل التوعية أداة لا غنى عنها.

وفي جنوب لبنان، حيث لا تزال ذاكرة الحروب حاضرة بقوة، تسهم هذه الأنشطة التثقيفية في تعزيز صمود المجتمعات المحلية أمام أخطار غالبًا ما تكون غير مرئية. عملٌ بطيء وبعيد عن الأضواء، لكنه يبقى أحد الأعمدة الأساسية في حماية المدنيين.

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة