اليونيفيل : نموذج لحفظ السلام ودروسه للأزمات العالمية

منذ عام 1978، تجسّد قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) كيف يمكن لبعثة حفظ سلام مصمَّمة بشكل جيد أن تُحدث تحولاً في منطقة نزاع. ففي سياق إقليمي يتسم بعدم الاستقرار المزمن، لعبت اليونيفيل دوراً حاسماً في تثبيت الاستقرار في جنوب لبنان. وتجربتها تقف في تباين مؤلم مع أزمات أخرى أدى غياب القوات الدولية فيها إلى كوارث إنسانية كان بالإمكان تفاديها.

تفويض مُعزَّز ونتائج ملموسة

أُنشئت اليونيفيل بموجب القرار 425 الصادر عن مجلس الأمن في مارس/آذار 1978، وشهد تفويضها تعزيزاً كبيراً بعد حرب عام 2006. فقد رفع القرار 1701 عديدها إلى نحو 10,000 جندي، ما أتاح لها حضوراً فعلياً على الأرض. وتراقب البعثة اليوم وقف الأعمال العدائية بين إسرائيل ولبنان، وتدعم القوات المسلحة اللبنانية، وتسهّل وصول المساعدات الإنسانية إلى السكان المدنيين.

الإنجازات ملموسة. فمنذ عام 2006، تراجعت الحوادث الحدودية بشكل كبير. وتجري اليونيفيل أكثر من 450 دورية شهرياً، ما يخلق حضوراً رادعاً دائماً. ويعيش أكثر من 160,000 مدني لبناني اليوم ضمن منطقة عملياتها، ويتمتعون بأمن نسبي أتاح عودة تدريجية للنازحين. كما يحافظ الجنود الدوليون على قنوات حوار دائمة بين إسرائيل ولبنان، وهما بلدان في حالة حرب رسمية، من خلال تنظيم اجتماعات ثلاثية لتفكيك الأزمات واحتواء التوترات.

مآسي الغياب

إن النجاح النسبي لليونيفيل يبرز، بالمقابل، الكلفة البشرية الباهظة لغياب التدخل في أماكن أخرى. فالإبادة الجماعية في رواندا عام 1994 تظل المثال الأكثر مأساوية. إذ لم يتجاوز عديد بعثة الأمم المتحدة آنذاك 2,500 جندي ضعيفي التجهيز. وكان الجنرال روميو دالير قد طالب بإرسال 5,000 جندي إضافي لمنع الكارثة، غير أن طلبه رُفض. وبين أبريل/نيسان ويوليو/تموز 1994، قُتل نحو 800,000 شخص. ولو وُجدت قوة قوية على غرار اليونيفيل، لكان بالإمكان إنقاذ مئات الآلاف من الأرواح.

وفي سوريا، لم تُنشر أي قوة لحفظ السلام رغم مرور 13 عاماً من الحرب الأهلية. فقد شلّت الانقسامات داخل مجلس الأمن أي تدخل حاسم، وكانت النتيجة أكثر من 500,000 قتيل، و13 مليون نازح، ودمار شبه كامل لمدن بأكملها. وفي اليمن، الذي يوصف بأنه أسوأ كارثة إنسانية راهنة، ساهم غياب قوات حفظ السلام في سقوط نحو 377,000 ضحية، غالبيتهم نتيجة أسباب غير مباشرة كالمجاعة. أما في دارفور، فقد وصلت البعثة المشتركة بين الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي متأخرة، بعد أن كان نحو 300,000 شخص قد قُتلوا، و2.7 مليون قد شُرّدوا.

الدروس الأساسية

تكشف تجربة اليونيفيل عن عدة عوامل للنجاح. أولاً، يتيح التفويض الواضح والقوي تجنب حالات الشلل في اتخاذ القرار. ثانياً، تُعدّ الأعداد الكافية من القوات أمراً لا غنى عنه — فوجود 10,000 جندي في منطقة محدودة يضمن حضوراً فعلياً. كما أن مدة الالتزام عامل حاسم: فبعد 45 عاماً، بنت اليونيفيل ثقة مستدامة مع السكان المحليين. وأخيراً، يُظهر التعزيز المبكر والحاسم — كما حدث عام 2006 — أنه أكثر فعالية من التدخل المتأخر.

حدود يجب الاعتراف بها

ليست اليونيفيل بمنأى عن الانتقادات. فإسرائيل تتهمها بعدم منع وجود حزب الله بفعالية في جنوب لبنان، بينما يرى بعض اللبنانيين أنها لا تحمي سيادتهم بالشكل الكافي. وتعكس هذه التوترات حدوداً بنيوية: فبعثات حفظ السلام لا تستطيع فرض حل سياسي، بل تقتصر مهمتها على تهيئة الظروف الملائمة للتفاوض. وقد أظهرت التصعيدات الأخيرة في أكتوبر/تشرين الأول 2023 أن حتى بعثة راسخة لا تضمن سلاماً مطلقاً في ظل ديناميات إقليمية معقدة.

خاتمة

تُثبت اليونيفيل أن بعثات حفظ السلام، عندما تُمنح تفويضاً واضحاً وتمويلاً كافياً، قادرة على إحداث فرق ملموس. فهي لم تحقق السلام النهائي في لبنان، لكنها حالت دون العديد من التصعيدات الدموية وخلقت مساحة للحوار. وتذكّرنا مآسي رواندا وسوريا واليمن ودارفور بالكلفة الفادحة لغياب التحرك.

إن حفظ السلام يمثل في كثير من الأحيان الفارق بين حربٍ مُحتواة وإبادة جماعية. واليوم، رغم عيوبها، تُظهر اليونيفيل أن الإرادة السياسية، حين تتوافر، تُمكّن القبعات الزرق من إنقاذ الأرواح. وأمام النزاعات التي تعصف بالعالم، الدرس واضح: الاستثمار في حفظ السلام ليس مجرد واجب أخلاقي، بل هو استراتيجية فعّالة لمنع معاناة لا تُحصى. فالمسألة ليست في كمال بعثات حفظ السلام، بل في الإقرار بأن وجودها كثيراً ما يصنع الفارق بين الحياة والموت لملايين البشر.

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading