منذ اندلاع النزاع عام 2014، تقوم قوات الحوثيين بتجنيد الأطفال بشكل ممنهج وإرسالهم إلى جبهات القتال. وعلى الرغم من خطة العمل التي وقّعوها مع الأمم المتحدة عام 2022، تتصاعد هذه الممارسة. ومطلع عام 2026، توثّق حوادث مميتة داخل المدارس ظاهرة التعسكر المتنامي في المجتمع اليمني، حتى في شهر رمضان المبارك.
تجنيد ممنهج يمتد لأكثر من عقد
لا يُعدّ تجنيد الأطفال الجنود من قِبل الحوثيين، المعروفين رسمياً بـ”أنصار الله”، ظاهرةً حديثة. فجذوره تمتد إلى تسعينيات القرن الماضي، قبل وقت طويل من اشتعال الحرب الأهلية في اليمن. ومنذ سقوط صنعاء في أيديهم عام 2014، تنظّم هذا النظام وتوسّع بشكل ملحوظ. وبحسب منظمة هيومن رايتس ووتش ومنظمة سام اليمنية للحقوق والحريات، يعتمد الحوثيون على مؤسساتهم الحكومية ذاتها — وزارات التربية والداخلية والدفاع — لتنسيق تجنيد القاصرين.
وثّقت الأمم المتحدة رسمياً ما لا يقل عن 1851 حالة فردية لتجنيد الأطفال أو استخدامهم من قِبل الحوثيين منذ عام 2010. أما التقديرات الأقل تحفظاً الصادرة عن منظمات حقوقية كالرصد الأورو-متوسطي لحقوق الإنسان، فتشير إلى تجنيد أكثر من 10,000 طفل بين عامَي 2014 و2021. وفي عام 2018، أقرّ مسؤول عسكري رفيع في الحركة الحوثية، مشترطاً عدم الكشف عن هويته، بأن التنظيم ضمّ إلى صفوفه ما يصل إلى 18,000 طفل.
أساليب التجنيد متعددة ومتطورة. يستغل الحوثيون أولاً الهشاشة الاقتصادية، إذ يعرضون على الأسر المعدمة تعويضات مالية تتراوح بين 80 و120 دولاراً شهرياً في حال استشهاد أبنائهم في المعارك. كما يستثمرون إغلاق المدارس — الذي تفرضه الحرب مباشرةً — لاستهداف الأطفال المنقطعين عن التعليم، الأكثر عرضةً للتلقين الأيديولوجي والديني الذي يجري في معسكراتهم الصيفية ومراكزهم الثقافية. ويُمثّل الضغط على زعماء القبائل رافداً ثالثاً: إذ يُجبَر هؤلاء على تقديم المجندين طوعاً أو قسراً تحت طائلة الانتقام.
غزة فتيلاً للتجنيد المتسارع منذ أكتوبر 2023
شكّل السابع من أكتوبر 2023 منعطفاً في ديناميكية التجنيد. فقد دعا زعيم الحركة عبدالملك الحوثي أنصاره إلى التعبئة دعماً للقضية الفلسطينية. هذا الخطاب، إلى جانب الضربات الجوية الأمريكية والبريطانية على اليمن، عزّز شعبية الحوثيين محلياً وكثّف قدرتهم على الاستقطاب. وفي غضون أشهر قليلة، أعلنوا عن تجنيد أكثر من 70,000 مقاتل جديد، وأفاد خبراء استُشيروا من قِبل هيومن رايتس ووتش بأن الغالبية العظمى منهم تتراوح أعمارهم بين 13 و25 عاماً.
استغل الحوثيون بشكل متعمد النزاع في غزة ذريعةً لتكثيف تجنيدهم الداخلي. وبربط عملياتهم في البحر الأحمر بالتضامن مع فلسطين، نجحوا في إضفاء شرعية دولية على ما هو في جوهره حرب داخلية. وقالت نيكو جفارنيا، الباحثة في هيومن رايتس ووتش المعنية بملف اليمن والبحرين: “يستغل الحوثيون القضية الفلسطينية لتجنيد المزيد من الأطفال في نزالهم الداخلي باليمن”.
يناير 2026 : أطفال يُقتلون داخل فصولهم الدراسية
في الحادي والثلاثين من يناير 2026، لم يعد محمد عادل، 14 عاماً، إلى منزله. لقي حتفه داخل مدرسته في منطقة العدين بمحافظة إب، حين أطلق عليه زميله النار خلال تدريب على الأسلحة الحية نُفِّذ داخل المبنى المدرسي في إطار دورة عسكرية حوثية. وقال أحد معلمي المدرسة طالباً عدم الكشف عن هويته: “الحادثة لم تكن خطأً عرضياً، كما حاول بعضهم تصويره على منصات التواصل الاجتماعي”.
وقبل ذلك بأيام، في الثالث والعشرين من يناير 2026، وعقب صلاة الجمعة في حي مكتظ بالسكان، تناول أحد المنظمين الميكروفون داعياً المصلين — بمن فيهم الأطفال — إلى حضور محاضرة تطبيقية حول الأسلحة المتوسطة واستخدامها في إطار التعبئة العامة. ولم يكن الدعوة سرية: بُثّت عبر مكبرات صوت مفتوحة. وبداخل المسجد، دارت النقاشات حول القنابل وآليات التفجير. وأفاد شهود عيان بأن بعض الحضور خشوا أن ينفجر سلاح ما أثناء العرض التوضيحي.
رمضان 2026: الشهر المقدس مسخَّراً للتعبئة العسكرية
بعيداً عن كونه استراحةً من التلقين، يوظّف الحوثيون شهر رمضان 2026 لتصعيد وتيرته. وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن الحركة تستخدم البنية التحتية للمدارس في نحو 12 محافظة يمنية لتجنيد الأطفال، فيما تُوسّع المراكز الدينية نشاطها لاستقطاب الشباب على نطاق أوسع. وهكذا يتحول شهر التقوى والخشوع إلى ناقل للتعسكر.
يرى توفيق الحميدي، رئيس منظمة سام للحقوق والحريات، أن هذه الظاهرة تكشف عن استراتيجية بعيدة المدى. ويقول: “المدرسة التي ينبغي أن تكون فضاءً لبناء المعرفة وتشكيل شخصية متوازنة، تتحول تدريجياً إلى فضاء لإعادة إنتاج العنف. حين تُعرض الأسلحة على الأطفال في إطار دروس مدرسية، يصبح وجودها مألوفاً، وتفقد البنادق طابعها الاستثنائي.” ويُضيف أن آلية التعوّد بالغة الخطورة: فالطفل الذي يرى الأسلحة في مدرسته، ويسمع عنها في مساجده، ويتلقى خطاباً يربط استخدامها بواجب ديني أو وطني، يرسّخ فكرة العنف في وعيه قبل أن تنضج لديه الأدوات النقدية اللازمة لمساءلتها.
على الرغم من خطة العمل التي وقّعها الحوثيون مع اليونيسف في أبريل 2022، متعهدين فيها بالكشف عن الأطفال في صفوفهم وإطلاق سراحهم خلال ستة أشهر، لم يتغير شيء. لا يزال الأمين العام للأمم المتحدة يُدرج الحوثيين في قائمته السنوية للجماعات المتورطة في انتهاكات جسيمة ضد الأطفال في النزاعات المسلحة منذ عام 2011، دون أن يُفضي ذلك إلى أي تبعات فعلية. وفي ظل غياب آليات إلزامية فعّالة، واستمرار إفلات قياداتهم من العقاب، يواصل أجيال كاملة من الأطفال اليمنيين دفع ثمن باهظ — بطولاتهم ودمائهم — لحرب لم يختاروها.
