في أزقة بغداد، وعلى الطرق المغبرة للموصل، وعند الحدود السورية، تفرض حقيقة واحدة نفسها منذ أكثر من عقد بعنف متصاعد: باتت الميليشيات الشيعية العراقية الموالية لإيران من أقوى عوامل زعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط. وتندرج هذه الجماعات المسلحة تحت مسمى الحشد الشعبي، وتُشكّل اليوم دولةً داخل الدولة، طموحاتها تتجاوز الحدود العراقية بكثير.
نشأة صاغتها الأزمات
لا يمكن فهم صعود هذه الميليشيات بمعزل عن صدمتين تاريخيتين كبريين. أولاهما الغزو الأمريكي عام 2003، الذي فكّك الجيش العراقي وخلّف فراغاً أمنياً سرعان ما ملأته جماعات شبه عسكرية تموّلها إيران وتُشرف عليها. وثانيتهما هجوم داعش عام 2014، حين سقط ثلث الأراضي العراقية بيد الجهاديين في غضون أسابيع. وأمام انهيار الجيش النظامي، أشعلت فتوى المرجع الأعلى آية الله علي السيستاني الداعية إلى حمل السلاح فتيلَ تعبئة شعبية واسعة. وقد انتهز طهران، الحاضر دوماً في الظل، الفرصة فوراً لهيكلة هذه القوات الجديدة وتسليحها وتدريبها على غرار نموذج حزب الله اللبناني.
وبعد إدماجها رسمياً في المنظومة الأمنية العراقية عام 2016، باتت قوات الحشد الشعبي تضم نحو ستين فصيلاً، ويتراوح عدد مقاتليها بين 150,000 و200,000 عنصر. ومن أبرز فصائلها: كتائب حزب الله، وعصائب أهل الحق، وفيلق بدر، وحركة النجباء — وجميعها مرتبطة ارتباطاً مباشراً بالحرس الثوري الإيراني، وتحديداً بفيلق القدس.
أداة للإسقاط الإيراني
لم تعد إيران تُخفي الدور الاستراتيجي الذي تُسنده لهذه الميليشيات. فهي تمثّل العمود الفقري لما تسميه طهران “محور المقاومة”، وهو سلسلة من القوات الوكيلة تمتد من العراق إلى سوريا، ومن لبنان إلى اليمن، بهدف تطويق النفوذ الأمريكي والإسرائيلي في المنطقة. وتضطلع هذه الميليشيات بتأمين الممر البري الرابط بين إيران وحزب الله اللبناني عبر سوريا — وهو شريان استراتيجي لم تُفلح الغارات الإسرائيلية المتكررة ولا الضغوط الدبلوماسية في قطعه بصورة دائمة.
وعلى الأراضي السورية، خاضت عدة فصائل المعارك إلى جانب قوات بشار الأسد، وشاركت في عمليات عسكرية وانتهاكات موثّقة من قِبل منظمات حقوق الإنسان. وداخل العراق نفسه، وسّعت هذه الميليشيات نفوذها تدريجياً على قطاعات اقتصادية استراتيجية، من تهريب النفط والسيطرة على المنافذ الحدودية إلى ابتزاز التجار، مُشيّدةً إمبراطورية مالية موازية تكفل لها استقلالية متنامية.
تهديد مباشر للاستقرار الإقليمي
منذ عام 2019، ولا سيما مع التصعيد المرتبط بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي خلال الفترة 2023-2024، تجاوزت الميليشيات العراقية الموالية لإيران عتبة جديدة من العدوانية. إذ تبنّت فصائل تتجمع تحت اسم “المقاومة الإسلامية في العراق” مئات الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة على قواعد أمريكية في العراق وسوريا والأردن، ما أسفر عن سقوط قتلى في صفوف الجنود الأمريكيين. وكادت هذه الهجمات أن تُفضي إلى مواجهة مباشرة بين واشنطن وطهران، مما يكشف أن هذه الميليشيات باتت فتيلاً إقليمياً قابلاً للانفجار في أي لحظة.
وبالنسبة للدول المجاورة، فالتهديد لا يقل وضوحاً. ففي المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، ترصد أجهزة الاستخبارات محاولات التسلل والزعزعة المنسوبة إلى هذه الشبكات. وتجد الأردن، المتاخمة للعراق وسوريا، نفسها في مواجهة متكررة مع تهريب الأسلحة والمخدرات — لا سيما الكبتاغون — عبر شبكات تسيطر عليها الميليشيات. أما إسرائيل، فتشنّ غارات منتظمة على قوافل الأسلحة الموجهة لهذه الجماعات، على حساب خطر اشتعال لا يمكن التنبؤ بعواقبه.
دولة عاجزة أمام الدولة العميقة
المفارقة صارخة: الميليشيات تخضع رسمياً لسلطة رئيس الوزراء العراقي بوصفه القائد الأعلى للقوات المسلحة، غير أنها في الواقع لا تُطيع إلا قادتها المرتبطين ارتباطاً مباشراً بطهران. وكل مسؤول عراقي حاول إصلاحها أو تهميشها سرعان ما تراجع تحت الضغط. وقد اغتيل صحفيون وناشطون حقوقيون ومحتجون مناهضون للحكومة على يد قتلة لم تُحاسَب فصائل الحشد على جرائمها بشكل جدي قط.
ويجد المجتمع الدولي نفسه أمام معادلة عصيّة الحل: فأي محاولة تفكيك بالقوة قد تُأجّج الاحتقان الطائفي وتزيد العراق هشاشةً، فيما يُعزّز كل تقاعس منظومةً شبه عسكرية تفلت من كل رقابة ديمقراطية.
خاتمة
تُجسّد الميليشيات الشيعية العراقية الموالية لإيران أحد أعقد التحديات الأمنية في الشرق الأوسط المعاصر. فهي هجينة بطبيعتها: جهات فاعلة رسمية وقوات مسلحة غير نظامية في آنٍ واحد، وفاعل اقتصادي وأداة جيوسياسية في الوقت ذاته، وتجسّد بامتياز استراتيجية إيران في النفوذ عبر الوكالة. وما لم تستعد بغداد سيادتها الحقيقية على قواتها الأمنية، وما لم تتوقف التنافسات بين القوى الإقليمية عن التعبير عن نفسها بالميليشيات، فإن استقرار العراق والمنطقة سيبقى وهماً هشاً.
