الموت يُتداول في الزمن الحقيقي : صعود رهانات الحروب

لطالما استُخدمت أسواق التنبؤ لاستشراف نتائج الانتخابات أو الاتجاهات الاقتصادية. لكنها اليوم تتجه نحو منطقة أكثر قتامة بكثير: الحروب، الاغتيالات، وموت القادة. مرحبًا بكم في عصر الرهانات الجيوسياسية.

عندما تلتقي المالية بفوضى العالم

في 19 مايو/أيار 2024، تتحطم مروحية في جبال ضبابية قرب الحدود الإيرانية – الأذربيجانية. على متنها: علي خامنئي؟ لا — بل إبراهيم رئيسي، الرئيس الإيراني، الذي يلقى حتفه في الحادث. لكن بالنسبة لآلاف المستخدمين المتصلين على منصة Polymarket، وهي منصة أسواق تنبؤية مقرها نيويورك، أشعل الارتباك الأولي موجة محمومة من الرهانات. خلال دقائق، فُتحت مراكز مالية، وتبادلت السيولة، وتحققت أرباح على خلفية مأساة إنسانية.

بعد أشهر قليلة، ظهر سوق آخر لافت: “هل سيموت علي خامنئي قبل 31 ديسمبر/كانون الأول 2024؟” المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، البالغ من العمر 84 عامًا، والمريض بحسب العديد من المصادر، أصبح موضوع مضاربة باردة ومنهجية. في ذروته، بلغ العقد احتمالًا بنسبة 18%. ملايين الدولارات الافتراضية رُاهنت على رحيله.

هذه الظاهرة ليست هامشية. إنها تكشف تحوّلًا عميقًا في الطريقة التي يستهلك بها جزء من المجتمع — شاب، متصل، متمرس ماليًا — عدم الاستقرار العالمي ويحوّله إلى فرصة ربح.

Polymarket : وحيُ عدم اليقين الجيوسياسي

تأسست Polymarket عام 2020 على يد شاين كوبلان، وتعمل كأنها بورصة: يراهن المستخدمون على وقوع أحداث مستقبلية عبر شراء عقود تتراوح قيمتها بين صفر ودولار واحد، بما يعكس احتمالًا بين 0 و100%. إذا وقع الحدث، تبلغ قيمة العقد دولارًا واحدًا. وإذا لم يقع، تنتهي صلاحيته بلا قيمة.

برزت المنصة خلال الانتخابات الأمريكية لعام 2024، حيث بدت أسواقها أكثر دقة من كثير من استطلاعات الرأي التقليدية. وبفضل هذا النجاح، جمعت أكثر من 70 مليون دولار من الاستثمارات، وجذبت صناديق مثل Founders Fund التابع لبيتر ثيل. ويتجاوز حجم تداولها الآن مليار دولار شهريًا خلال ذروة الأحداث.

لكن إذا أمكن تبرير الرهانات الانتخابية باسم “حكمة الجموع”، فإن أسواق الحروب تطرح سؤالًا أكثر حساسية: هل يمكن اعتبار منصة محايدة حين تحوّل موت إنسان إلى أصل مالي؟

رهانات الحروب : سوق في توسع متسارع

منذ عام 2022، غزت النزاعات المسلحة منصة Polymarket ومنافسيها — Kalshi وManifold Markets وPredictIt. ويمكن العثور على أسواق تتعلق بـ:

  • مدة الحرب في أوكرانيا: كم ستستمر؟ هل ستسقط كييف؟
  • الضربات على إسرائيل وغزة: هل سيتم التوصل إلى وقف إطلاق نار قبل تاريخ محدد؟
  • موت القادة: هل سيغادر فلاديمير بوتين السلطة في 2025؟ هل سيموت كيم جونغ أون هذا العام؟
  • التصعيد النووي: ما احتمال توجيه ضربة نووية أولى قبل عام 2030؟

تجذب هذه الأسواق نوعين من المستخدمين. من جهة، محللون وخبراء جيوسياسيون يرون فيها أداة رصد استراتيجي — إذ تعكس الاحتمالات المجمعة ذكاءً جمعيًا لمراهنين مطلعين. ومن جهة أخرى، مضاربون بحت، يركبون موجات عدم اليقين كما يفعل آخرون في أسواق الأسهم عند صدور نتائج الشركات.

الأخلاق على حافة الهاوية

قضية خامنئي تجسد كل التوترات الأخلاقية في هذا القطاع. فالمراهنة على موت شخص محدد تمثل، بالنسبة لكثيرين، خطًا أخلاقيًا لا يمكن تجاوزه. وقد حاولت بعض الولايات الأمريكية حجب الوصول إلى هذه المنصات استنادًا إلى قوانين تنظيم المقامرة. كما أجبرت هيئة تداول السلع الآجلة (CFTC) منصة Polymarket على مغادرة السوق الأمريكية عام 2022، قبل أن تعيد تموضع عملياتها عبر عقود قائمة على العملات المشفرة.

لكن الانتقاد الأعمق يتجاوز مسألة التنظيم. هل تخلق هذه الأسواق مصلحة مالية في عدم الاستقرار؟ إذا راهن آلاف الأشخاص على موت خامنئي، فهل لدى بعضهم مصلحة في أن يحدث ذلك سريعًا؟ قد يبدو السؤال أقرب إلى الهواجس، لكنه يظل مشروعًا في عالم أثبتت فيه الأسواق المالية قدرتها على التأثير في الأحداث التي يُفترض أنها تعكسها فقط.

المعلومة كسلاح للمضاربة

إلى جانب البعد الأخلاقي، هناك البعد الجيوسياسي للمعلومة. فقد بدأت أجهزة استخبارات عدة دول تراقب التحركات غير الاعتيادية على هذه المنصات. فارتفاع مفاجئ في احتمال ضربة عسكرية قد يشير إلى تسريب معلومات داخلية — أو إلى محاولة تلاعب.

في أبريل/نيسان 2024، فُتحت مراكز ضخمة على Polymarket بشأن ضربة إيرانية ضد إسرائيل، قبل ساعات قليلة من وقوعها فعليًا. هل كانت مصادفة؟ أم تداولًا داخليًا جيوسياسيًا؟ التحقيق لم يصل إلى نتيجة.

أصبحت رهانات الحروب مرآة مشوهة لعصرنا: مثيرة بإصابتها التنبؤية أحيانًا، ومخيفة بما تكشفه عن علاقتنا الجمعية بالعنف والموت. لم يعد السؤال ما إذا كانت هذه الأسواق موجودة — فهي موجودة وتزدهر. السؤال الحقيقي هو: ماذا تكشف عنا؟

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading