في لبنان الذي لم يلتقط أنفاسه بعد من تحت القصف، خرج الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، بخطاب تحدٍّ كامل، مؤكداً أن سلاح حزبه لن يُسلَّم أبداً، وأن المعركة الدائرة مع إسرائيل «لبنانية خالصة» وليست امتداداً للحرب ضد إيران.
لا يزال لبنان يحترق. فبعد ثلاثة أيام على إطلاق حزب الله وابلاً من الصواريخ وسرباً من الطائرات المسيّرة باتجاه إسرائيل في ليلة الأول إلى الثاني من مارس/آذار 2026، وما تبعه من رد إسرائيلي مدمّر، كسر الأمين العام للحزب المدعوم من إيران، الشيخ نعيم قاسم، صمته. وجاءت رسالته، في خطاب متلفز بثّته قناة المنار، واضحة لا لبس فيها: سلاح حزب الله غير قابل للتفاوض، والمعركة الجارية هي معركة لبنانية بحتة، وليست مرتبطة بما يجري في طهران.
ويأتي هذا الخطاب في سياق بالغ الخطورة. ففي اليوم الثالث من الهجوم الأميركي-الإسرائيلي على إيران، أطلق حزب الله «وابلاً من الصواريخ وسرباً من الطائرات المسيّرة» نحو إسرائيل، رداً على اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي يوم السبت في طهران.
وكان هذا القرار أحادياً، اتُّخذ من دون التشاور مع رئيس الجمهورية جوزاف عون ولا مع رئيس الحكومة نواف سلام، ما أدخل بلداً لا يزال منهكاً من حرب 2024 في دوامة جديدة من العنف.
خطاب الانفصال المعلن
بإصراره على أن معركة حزب الله ليست مرتبطة بأي حرب أخرى، يسعى قاسم إلى رسم تمييز دقيق: حركة لم تشعل المواجهة وفاءً لطهران، بل رداً — كما يقول — على الانتهاكات الإسرائيلية المتراكمة على الأراضي اللبنانية منذ نهاية الحرب الأخيرة.
وقال: «يقولون إن الصواريخ التي أُطلقت ليل الأحد-الإثنين هي التي أشعلت الحرب؟ أبداً! هذا ردّ على خمسة عشر شهراً من الانتهاكات في لبنان! إنه رد على عدوان مستمر».
لكن هذا الطرح، الذي يتكرر في بلد يتعرض للقصف، يبدو فارغاً بالنسبة لشريحة واسعة من الرأي العام اللبناني. فمن الصعب فهم ما الذي يسعى حزب الله إلى تحقيقه بفتح جبهة جديدة مع إسرائيل، فيما لا يزال لبنان يدفع ثمن الحرب السابقة.
وبالنسبة لكثير من المراقبين والمسؤولين اللبنانيين، فإن الحزب ضحّى مرة أخرى بالمصلحة الوطنية على مذبح التوجيهات الإيرانية، مهما حاول إنكار ذلك في خطابه.
الدولة اللبنانية في موقف حرج
وجاء رد الحكومة غير مسبوق من حيث حدّته. فبعد اجتماع استثنائي، أعلن رئيس الوزراء نواف سلام «الحظر الفوري لكل الأنشطة العسكرية والأمنية لحزب الله»، مطالباً إياه «بتسليم سلاحه إلى الدولة» والاكتفاء بالعمل السياسي.
وتمثل هذه الخطوة قراراً تاريخياً يعكس حجم الغضب داخل الحكومة، التي وجدت نفسها مرة أخرى أمام أمر واقع فرضته ميليشيا مسلحة تتصرف كأنها دولة داخل الدولة.
حزب الله، الذي يملك وزيرين في الحكومة، رفض «الانتقادات الموجهة للمقاومة» في نص القرار، لكنه لا يعتزم في الوقت نفسه سحب وزرائه من الحكومة. وهو موقف ملتبس يعكس التناقض الجوهري الذي يميز الحزب: المشاركة في مؤسسات الدولة مع رفض الخضوع لسلطتها في ما يتعلق بالسلاح.
ترسانة أضعف لكنها لا تزال قادرة على الضرب
رغم النبرة الهجومية في خطاب قاسم، فإن الواقع العسكري لحزب الله يشير إلى حركة تعرضت لضربات قاسية. فقد تكبد الحزب خسائر كبيرة في مخزون أسلحته خلال حرب 2024. ووفقاً لمعهد «Institute for the Study of War»، دمر الجيش الإسرائيلي جزءاً كبيراً من ترسانته وبناه التحتية العسكرية.
ومع ذلك، بدأ الحزب عملية إعادة تسليح جزئية. ويقدّر مركز «ألما» الإسرائيلي للأبحاث أن الترسانة الحالية للحزب تبلغ نحو 25 ألف صاروخ وقذيفة، معظمها قصيرة ومتوسطة المدى.
وقد كانت هذه القدرة المتبقية كافية لإطلاق رد إسرائيلي واسع النطاق. إذ أسفرت الضربات الإسرائيلية عن مقتل 52 شخصاً وإصابة 154 آخرين ونزوح نحو 29 ألف شخص في يوم واحد فقط في لبنان. كما حذر رئيس أركان الجيش الإسرائيلي من أن هذه الضربات قد تستمر لأيام عدة، ما ينذر بانزلاق البلاد مرة أخرى إلى دوامة كارثية.
لبنان رهينة
خلف الخطاب القتالي لقاسم، تبرز حقيقة مرّة: لبنان مرة أخرى رهينة منظمة تضع ولاءاتها الإقليمية — مهما أنكرت ذلك — فوق المصالح الحيوية للبلاد.
فحزب الله هو التنظيم اللبناني الوحيد الذي احتفظ بسلاحه بعد نهاية الحرب الأهلية (1975-1990)، وقد تجاهل الدعوات الصادرة عن جزء من الطبقة السياسية التي طالبت بإبقاء لبنان بعيداً عن الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني. وها هي القصة تتكرر، مع ما تحمله من دمار ونزوح جديدين.
وقد وصف رئيس الوزراء نواف سلام تهديدات أمين عام حزب الله بأنها «غير مقبولة»، مؤكداً أن قرار الحرب والسلم هو من صلاحيات الدولة وحدها. وهو موقف صحيح من حيث المبدأ، لكن تطبيقه الفعلي يبقى رهناً بقدرة الحكومة — والمجتمع الدولي — على إرغام حزب الله أخيراً على الانضواء تحت الإطار الوحيد المشروع: سيادة الدولة اللبنانية.
