في وقتٍ يعيد فيه الذكاء الاصطناعي رسم موازين القوى الاقتصادية والجيوسياسية عالميًا، لا يقف العالم العربي على هامش هذه الثورة الصامتة. فمن ناطحات السحاب في دبي إلى مختبرات البحث في القاهرة، مرورًا بحاضنات الأعمال في بيروت، انطلقت سباق تكنولوجي جديد. لكن خلف الإعلانات البراقة، تختبئ واقعيات متباينة، بين طموحات سيادية وانقسامات رقمية مستمرة.
ملكيات الخليج في الطليعة
ليس من المستغرب أن تتصدر دول الخليج المشهد. فقد وضعت المملكة العربية السعودية الذكاء الاصطناعي في صلب «رؤية 2030»، حيث أسست عام 2019 «الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي» (SDAIA)، كمؤسسة مكرسة بالكامل لحوكمة الذكاء الاصطناعي ونشره على المستوى الوطني. الهدف واضح: تحويل الرياض إلى مركز عالمي للبيانات بحلول عام 2030، عبر استقطاب الكفاءات الدولية وتأهيل جيل جديد من علماء البيانات المحليين.
أما دولة الإمارات العربية المتحدة، فلديها سبق رمزي لافت؛ إذ كانت أول دولة في العالم تعيّن وزيرًا للذكاء الاصطناعي عام 2017، ممثلًا بعمر العلماء. كما احتضنت أبوظبي أحد أكثر نماذج اللغة طموحًا في العالم العربي، وهو نموذج «فالكون» الذي طوره «معهد الابتكار التكنولوجي» (TII). هذا النموذج اللغوي الكبير مفتوح المصدر، والقادر على منافسة أبرز النماذج الغربية، أصبح رمزًا للسيادة الرقمية العربية. كذلك أطلقت مبادرة «MGX»، وهو صندوق استثماري إماراتي في مجال الذكاء الاصطناعي، استثمارات بمليارات الدولارات في شركات تكنولوجية عالمية، من بينها حصة بارزة في شركة OpenAI.
ولا يتأخر قطر عن الركب. فمن خلال «مؤسسة قطر» وشراكات مع جامعات مثل كارنيغي ميلون قطر وجورجتاون قطر، يستثمر في البحث العلمي في مجال الذكاء الاصطناعي، خصوصًا في معالجة اللغة العربية آليًا — وهو تحدٍ هائل نظرًا لغنى هذه اللغة وتنوع لهجاتها وتعقيد بنيتها النحوية.
مصر والمغرب العربي : منظومات قيد التشكل
بعيدًا عن الخليج، تسعى دول مثل مصر والمغرب وتونس إلى ترسيخ مكانتها كلاعبين إقليميين في مجال الذكاء الاصطناعي. تحتضن القاهرة مشهدًا ناشئًا نابضًا بالحياة، حيث تدمج شركات مثل Instabug وBreadfast تقنيات الذكاء الاصطناعي في خدماتها، فيما أطلقت الحكومة المصرية عام 2021 استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي تهدف إلى رقمنة الخدمات العامة وتنمية المهارات المحلية.
أما المغرب، فيستفيد من موقعه الجغرافي الاستراتيجي بين أوروبا وأفريقيا. وتستقطب الرباط والدار البيضاء عددًا متزايدًا من مراكز البيانات والشركات التكنولوجية. ويعكس إنشاء «المعهد المغربي للبحث في الذكاء الاصطناعي» وتطوير مسارات جامعية متخصصة إرادة سياسية حقيقية، رغم محدودية الموارد مقارنة بطموحات دول الخليج.
لبنان : عبقرية تقنية تحت الضغط
الحالة اللبنانية تجمع بين الإعجاب والمأساة. فبالرغم من أزمة اقتصادية غير مسبوقة، وانهيار نقدي مدمر، وتداعيات انفجار مرفأ بيروت عام 2020، لا يزال لبنان يحتفظ بخزان استثنائي من المواهب التقنية. وتواصل الجامعات اللبنانية — ولا سيما الجامعة الأميركية في بيروت وجامعة القديس يوسف — تخريج مهندسين وباحثين رفيعي المستوى، يُستقطب كثير منهم مباشرة من قبل شركات أوروبية وأميركية وخليجية.
وبرزت شركات ناشئة لبنانية في مجال الذكاء الاصطناعي رغم التحديات، خاصة في مجالات الصحة الرقمية، ومعالجة اللغة العربية، والتكنولوجيا المالية. كما حازت منصات مثل Zaka.ai، المتخصصة في التدريب على الذكاء الاصطناعي، اعترافًا إقليميًا. والمفارقة أن الاغتراب اللبناني — أحد أنشط الاغترابات عالميًا في قطاع التكنولوجيا — يشكل جسرًا بين بيروت ومراكز الابتكار العالمية. غير أن التحدي الأساسي لا يكمن في نقص الكفاءات، بل في البنية التحتية: فغياب الكهرباء المستقرة، وضعف الاتصال بالإنترنت، وانعدام الاستقرار المؤسسي، تجعل الاحتفاظ بالعقول معركة يومية.
تحديات مشتركة في العالم العربي
على الرغم من التقدم الملحوظ، تواجه المنطقة جملة من العقبات. أولها لغوي، إذ ما تزال اللغة العربية ممثلة تمثيلًا ضعيفًا في قواعد بيانات التدريب الخاصة بالنماذج الكبرى، ما يقلل من ملاءمة الأدوات المتاحة للسكان المحليين. وثانيها هيكلي، حيث يتركز الاستثمار في عدد محدود من دول الخليج، ما يعمّق الفجوة الرقمية بين الدول العربية. أما التحدي الثالث فسياسي، إذ تحدّ الرقابة الرقمية والقيود المفروضة على حرية التعبير في بعض الدول من نشوء بيئة تكنولوجية مفتوحة ومبتكرة.
خاتمة
يقف العالم العربي اليوم عند مفترق طرق. فمدفوعًا بطموحات مدعومة بالموارد المالية، وبثروة بشرية واعدة، يمتلك المقومات ليكون فاعلًا مؤثرًا في الخريطة العالمية للذكاء الاصطناعي. لكن لكي تكون هذه الثورة شاملة ومستدامة، لا بد أن تتجاوز الواجهات التكنولوجية لتتجذر في الواقع الاجتماعي واللغوي والمؤسسي لكل مجتمع. إن مستقبل الذكاء الاصطناعي العربي لن يُحسم فقط في مختبرات البحث، بل أيضًا في قاعات الدراسة في بغداد وتونس وبيروت.
