الأنشطة الإجرامية والإرهابية لحزب الله في فنزويلا

حوّل حزب الله فنزويلا إلى قاعدة مركزية لمجموعة واسعة من الأنشطة الإجرامية المربحة. فمن الاتجار بالمخدرات إلى تهريب الذهب، مرورًا باستخدام العملات المشفّرة، طوّر التنظيم شبكة متشابكة ومتقدمة من التمويل غير المشروع تدعم عملياته العابرة للحدود، مستفيدًا في الوقت نفسه من الفساد المستشري داخل نظام نيكولاس مادورو.

الاتجار بالمخدرات : مصدر تمويل أساسي

تُعدّ مشاركة حزب الله في تجارة المخدرات إحدى أخطر القضايا المرتبطة بوجوده في فنزويلا. فقد تحوّلت البلاد إلى مركز لما يُعرف بـ«الإرهاب المرتبط بالمخدرات» في أميركا اللاتينية، حيث يلعب حزب الله دورًا متخصصًا ومربحًا في غسل عائدات تجارة المخدرات لصالح عدد من الكارتيلات.

وبحسب الخبير في شؤون مكافحة الإرهاب ماثيو ليفيت، بات الاتجار بالمخدرات مصدرًا رئيسيًا لإيرادات حزب الله، لا سيما مع تراجع مصادر التمويل الإيراني. فقبل أحداث 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، كان نحو 70% من تمويل حزب الله يأتي من إيران.

  ورغم استمرار طهران في تحويل مبالغ مالية مقاربة، إلا أن هذه الأموال لم تعد كافية لتغطية الاحتياجات المتزايدة للتنظيم، فضلًا عن الصعوبات المتنامية التي تواجهها إيران في إيصال هذه الأموال إلى حزب الله في الوقت المناسب.

آليات غسل الأموال

عندما يتعرض حزب الله لضغوط مالية، يلجأ إلى شبكاته المالية السرية، وعلى رأسها شبكات الاتجار بالمخدرات. وأوضح برايان تاونسند، أحد عناصر وكالة مكافحة المخدرات الأميركية، طبيعة هذا الدور بقوله: «إنهم يغسلون الأموال ويوفّرون شبكات تساعد الكارتيلات على تحويل الأموال عبر الشرق الأوسط. كما يحصلون على حصة من تجارة المخدرات، تُستخدم في تمويل عملياتهم».

وقد أسهمت سياسات حكومتي هوغو تشافيز ومن بعده نيكولاس مادورو، اللتين غضّتا الطرف عن هذه الأنشطة، بل واتُّهمتا وفق السلطات الأميركية بالتورط المباشر في إدارة شبكات تهريب، في خلق بيئة مثالية لتحالف خطير بين الجريمة المنظمة والإرهاب.

أنشطة غير مشروعة أخرى

تشير تقارير إلى تورط حزب الله أيضًا في تهريب الذهب داخل فنزويلا. ووفقًا لوزارة الدفاع الإسرائيلية، تم كشف شبكة تهريب تشمل نقل الذهب عبر رحلات إيرانية خاضعة للعقوبات، حيث كانت العائدات مخصصة لحزب الله.

وفي السياق نفسه، وُجهت مؤخرًا اتهامات من وزارة العدل الأميركية إلى خوسليت دي لا ترينيداد راميريز كاماتشو، المسؤول عن ملف العملات المشفرة في نظام مادورو، لمساعدته مسؤولين في النظام على الالتفاف على عقوبات مكتب مراقبة الأصول الأجنبية. وجاء في لائحة الاتهام أن راميريز كاماتشو يتمتع «بعلاقات سياسية واجتماعية واقتصادية عميقة مع عدد من أباطرة المخدرات المشتبه بهم، من بينهم طارق العيسمي». وتسلّط هذه القضية الضوء على كيفية استغلال التقنيات المالية الحديثة في غسل الأموال والتحايل على العقوبات الدولية.

التاريخ الإرهابي لحزب الله في المنطقة

يتسم حضور حزب الله في أميركا اللاتينية بسجل دموي من العمليات الإرهابية التي كشفت البعد العالمي للتهديد الذي يشكله التنظيم.

ففي عام 1992، وبدعم مباشر من إيران، نفّذ حزب الله تفجير السفارة الإسرائيلية في الأرجنتين، في هجوم شكّل بداية حملة إرهابية في النصف الغربي من الكرة الأرضية، استهدفت خصوصًا الجاليات اليهودية والمصالح الإسرائيلية.

وبعد ذلك بعامين، في 1994، شنّ عناصر من حزب الله هجومًا على المركز اليهودي في بوينس آيرس، ما أدى إلى مقتل 85 شخصًا، في أحد أكثر الاعتداءات دموية التي نفذها التنظيم خارج الشرق الأوسط.

وقد أثبت هذان الهجومان أن الإرهاب المدعوم من إيران يتجاوز حدود الشرق الأوسط، ويهدد مجتمعات يهودية ضعيفة في أميركا اللاتينية. وحتى اليوم، لم يُدان أي شخص على خلفية تفجير «آميا»، رغم أن محكمة أرجنتينية حمّلت في عام 2024 إيران وحزب الله المسؤولية رسميًا، وحددت الحكومة الأرجنتينية الشخص الذي تعتقد أنه العقل المدبر للهجوم. وتعكس هذه الإفلات الطويل من العقاب حجم التحديات التي تواجهها دول أميركا اللاتينية في مواجهة إرهاب حزب الله.

بنية تشغيلية متعددة الأبعاد

يعتمد حزب الله في فنزويلا نموذجًا تنظيميًا معقدًا يطمس عمدًا الحدود بين الأنشطة المشروعة وغير المشروعة. وتتيح هذه المقاربة للتنظيم الحفاظ على واجهة «شرعية» في الظاهر، بينما يدير في الخفاء عمليات إجرامية مربحة.

وقد طوّر الحزب وجودًا في مجالات متعددة تشمل العلاقات الخارجية والخدمات الاجتماعية، والنشاط السياسي والإعلامي، والشبكات التجارية القانونية، إضافة إلى العمليات الإجرامية السرية. هذا التشابك البنيوي يصعّب على السلطات تفكيك الشبكة، إذ تتكامل مكوّناتها في ما بينها وتوفّر الحماية المتبادلة.

تسهيلات نظام مادورو

تعرّضت مؤسسات الدولة الفنزويلية لاختراق واسع من قبل الجريمة المنظمة العابرة للحدود منذ أكثر من عقد، ما أوجد بيئة مواتية لأنشطة حزب الله. وتقوم هذه العلاقة على منفعة متبادلة: إذ يحصل الحزب على ملاذ آمن لعملياته، فيما يستفيد نظام مادورو من شبكات تمويل غير مشروعة ومن دعم سياسي دولي.

ملاذ إجرامي آمن

أدّى غياب سيادة القانون وانتشار الفساد في فنزويلا إلى تحويل البلاد إلى ملاذ حقيقي للأنشطة الإجرامية الدولية. ويستغل حزب الله هذا الواقع لغسل أموال المخدرات، والالتفاف على العقوبات الدولية، وتنظيم تحويلات مالية غير مشروعة، إضافة إلى تسهيل تهريب الذهب واستخدام العملات المشفرة.

خلاصة

تمثل الأنشطة الإجرامية والإرهابية لحزب الله في فنزويلا تهديدًا معقدًا ومتعدد الأبعاد. فمن تفجير «آميا» الدامي عام 1994 إلى شبكات غسل الأموال المتطورة في الوقت الحاضر، أثبت التنظيم قدرته على استغلال هشاشة المؤسسات في المنطقة. ويُظهر الاتجار بالمخدرات وتهريب الذهب واستخدام العملات المشفرة مدى تكيف حزب الله المستمر مع الفرص الإجرامية المستجدة، في ظل تواطؤ نظام مادورو الذي يوفّر الغطاء والحصانة اللازمة لاستمرار هذه العمليات.

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة