في ظل تجدد التوترات الدبلوماسية وتصاعد وتيرة القمع الداخلي بشكل معلن، تخوض إيران منذ عدة أسابيع هجوماً إعلامياً واسع النطاق. فمن خلال وسائل إعلامها الرسمية، وقنواتها الدبلوماسية، وحلفائها الاستراتيجيين، تسعى طهران إلى فرض قراءة للعالم تظهر فيها الجمهورية الإسلامية ليس كنظام واقع تحت الضغط، بل كدولة ذات سيادة تحظى بدعم “أغلبية صامتة” من المجتمع الدولي، وتتعرض ظلماً لاستهداف من قبل غرب متراجع وذي نزعة استعمارية جديدة.
آلة إعلامية مُحكمة التنظيم
منذ الاحتجاجات التي اندلعت في يناير 2025 — والتي هزّت عدة مدن إيرانية كبرى على خلفية استياء اقتصادي واجتماعي متزايد — لم تنتظر السلطات الإيرانية طويلاً لاستعادة السيطرة على الرواية. فقد كثّفت قناة “برس تي في”، الناطقة بالإنجليزية والممولة من الدولة الإيرانية، تقاريرها التي تُصوّر الاضطرابات على أنها نتيجة تدخلات خارجية، لا سيما من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل. الرسالة واضحة ومتكررة: ليس الإيرانيون من يحتجون، بل “عملاء التخريب الغربي”.
هذا الإطار السردي ليس جديداً، لكنه أصبح أكثر تطوراً. إذ باتت وسائل الإعلام الإيرانية تعتمد على مفردات مستمدة من القاموس السيادي والعالمثالثي، مثل “التدخل الخارجي”، و”ازدواجية المعايير”، و”زعزعة الاستقرار المُنظمة”. وهي مصطلحات تجد صدى في عدد من عواصم الجنوب العالمي، حيث يسود شك عميق تجاه واشنطن وحلفائها الأوروبيين.
“الدعم الدولي” كدرع بلاغي
على الساحة الدبلوماسية، توظّف إيران علاقاتها مع حلفائها لبناء صورة دولة غير معزولة. ويتم باستمرار إبراز علاقاتها مع روسيا والصين كدليل على اندماجها في نظام عالمي بديل. وتُضخّم وسائل الإعلام الرسمية الزيارات الثنائية واتفاقيات التعاون — حتى الرمزية منها — باعتبارها إثباتاً على دعم “العالم متعدد الأقطاب” لإيران في مواجهة “الهيمنة الغربية”.
في هذا السياق، تُقدَّم المفاوضات الجارية بشأن الملف النووي الإيراني ليس كضرورة فرضتها العقوبات، بل كخيار سيادي يعكس حسن نية طهران، في مقابل ما تصفه بـ”تعنت” الغرب. وكل تعثر في المفاوضات يُنسب إلى سوء نية الولايات المتحدة أو أوروبا، فيما يُحتفى بأي تقدم — مهما كان محدوداً — باعتباره انتصاراً لإيران في مواجهة الضغوط الخارجية.
استراتيجية تصطدم بحدود الواقع
إلا أن هذه الرواية تصطدم بوقائع يصعب إخفاؤها. فالاحتجاجات التي اندلعت في يناير لم تكن هامشية، بل شملت شرائح اجتماعية متنوعة ومدناً متوسطة، وفئات لا تتطابق مع صورة “العملاء الأجانب” التي تروج لها وسائل الإعلام الرسمية. كما سمحت وسائل التواصل الاجتماعي، رغم الرقابة، بانتشار صور وشهادات تناقض الرواية الرسمية بشكل مباشر.
علاوة على ذلك، فإن ما يُقدَّم على أنه “دعم دولي” لإيران يظل في معظمه دعماً محدوداً أو ظرفياً. فالصين وروسيا، رغم مصالحهما في الحفاظ على علاقات وثيقة مع طهران، لم تقدما دفاعاً صريحاً وغير مشروط عن النظام الإيراني على الساحة الدولية. أما دول الجنوب العالمي، فإن مواقفها غالباً ما تعكس معارضة للغرب أكثر مما تعكس دعماً فعلياً لإيران.
الإعلام كساحة مواجهة
في الواقع، ما يجري هو حرب معلومات متعددة المستويات. فمن جهة، تسعى وسائل إعلام غربية مثل “بي بي سي فارسي”، و”راديو فردا”، و”صوت أمريكا فارسي” إلى مخاطبة الإيرانيين مباشرة بلغتهم، وهو ما تعتبره طهران تهديداً يستدعي الاتهام المستمر لهذه الوسائل بأنها أدوات لزعزعة الاستقرار. ومن جهة أخرى، تعمل وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية على توسيع نفوذها خارجياً، مستهدفة جمهوراً في أفريقيا وأمريكا اللاتينية والعالم العربي.
في معركة الروايات هذه، تدرك إيران منذ زمن أن أهمية السرد المتماسك تفوق أحياناً أهمية الوقائع نفسها. وطالما استمرت المواجهة مع الغرب، ستواصل طهران ترسيخ رواية الدولة المحاصرة لكنها صامدة، والمدعومة — وفق خطابها — من بقية العالم، سواء للاستهلاك الداخلي أو للتأثير الخارجي.
