توقيع اتفاقية التعاون الاستراتيجي لمدة 25 عاماً بين إيران والصين، 27 مارس 2021
تندرج العلاقات بين إيران والصين ضمن منطق التكامل البراغماتي أكثر مما تقوم على تقارب أيديولوجي حقيقي. فمن جهة، تمتلك طهران احتياطيات هائلة من النفط والغاز وتسعى إلى منافذ اقتصادية في ظل الخنق الذي تفرضه العقوبات الغربية. ومن جهة أخرى، تحتاج بكين إلى إمدادات طاقة موثوقة لدعم نموها الاقتصادي، كما تطمح إلى توسيع نفوذها في منطقة استراتيجية. هذا الحساب المتبادل حوّل البلدين، على مدى عقود، إلى شريكين لا غنى لأحدهما عن الآخر.
اتفاق التعاون لمدة 25 عاماً : منعطف تاريخي
في مارس/آذار 2021، وقّعت إيران والصين اتفاق تعاون شامل لمدة 25 عاماً. وينصّ هذا الاتفاق على استثمارات صينية ضخمة — قُدّرت بنحو 400 مليار دولار بحسب بعض المصادر — في قطاعات الطاقة والبنى التحتية والنقل والاتصالات في إيران. وفي المقابل، ستحصل بكين على وصول مميّز وطويل الأمد إلى النفط الإيراني بأسعار تفضيلية. ويمثل هذا الاتفاق تتويجاً لعلاقة اقتصادية تعود إلى عدة عقود، كما يرمز إلى طموح سياسي مشترك يتمثل في موازنة الهيمنة الأميركية في المنطقة.
النفط الإيراني : ركيزة العلاقة الثنائية
تُعدّ الصين اليوم المشتري الرئيسي، إن لم يكن شبه الوحيد، للنفط الإيراني. فعلى الرغم من العقوبات الأميركية، تستمر ملايين البراميل شهرياً في الوصول إلى المصافي الصينية، غالباً عبر شبكات معقدة من الشركات الوسيطة وناقلات “شبحية”. ويشكّل هذا الاعتماد المتبادل في مجال الطاقة العمود الفقري للعلاقة الثنائية، ويفسّر رفض بكين المتكرر تطبيق العقوبات الغربية على طهران.
صواريخ CM-302: تعاون عسكري يتخذ بعداً غير مسبوق
على الصعيد العسكري، يبدو أن العلاقة الثنائية تتجه نحو عتبة جديدة ذات دلالات استراتيجية كبيرة. ووفقاً لتحقيق أجرته وكالة رويترز نقلاً عن ستة مصادر مطلعة على المفاوضات، فإن إيران على وشك إبرام اتفاق مع الصين لشراء صواريخ مضادة للسفن من طراز CM-302، وهي صواريخ تفوق سرعتها سرعة الصوت ويبلغ مداها نحو 290 كيلومتراً، ومصممة لتفادي الدفاعات البحرية عبر التحليق على ارتفاع منخفض وبسرعة عالية.
وقد بدأت المفاوضات قبل عامين على الأقل، وتسارعت بعد النزاع الذي استمر 12 يوماً بين إسرائيل وإيران في يونيو/حزيران 2025. ورغم عدم تحديد موعد للتسليم بعد، فإن الصفقة باتت في مراحلها النهائية. ومن بين المؤشرات على هذا التسارع، زيارة مسؤولين عسكريين وحكوميين إيرانيين رفيعي المستوى إلى الصين، بينهم نائب وزير الدفاع مسعود أورعي.
وتكمن الأهمية الاستراتيجية في أن هذا الشراء قد يشكل تعزيزاً كبيراً للترسانة الإيرانية التي تضررت بشدة خلال نزاع 2025، بحسب تقدير الباحث بيتر ويزيمان من معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI). وقد طوّرت الصاروخ شركة الصين لعلوم وصناعة الفضاء (CASIC)، التي تؤكد أن بإمكانه إغراق حاملة طائرات أو مدمرة. كما تُجري إيران مباحثات مع بكين لاقتناء أنظمة دفاع جوي وصواريخ مضادة للصواريخ الباليستية وأسلحة مضادة للأقمار الصناعية.
وتأتي هذه التطورات في سياق توترات بالغة الحدة، حيث نشرت الولايات المتحدة قوات بحرية كبيرة قبالة السواحل الإيرانية، بما في ذلك حاملتا الطائرات “يو إس إس أبراهام لينكولن” و”يو إس إس جيرالد آر. فورد”. ولم تُخفِ طهران موقفها، إذ صرّح المرشد الأعلى علي خامنئي بأن ما يهدد السفينة الحربية الأميركية حقاً هو السلاح القادر على إرسالها إلى قاع البحر.
ومن شأن هذا النقل المحتمل للأسلحة أن يشكل انتهاكاً مباشراً للقانون الدولي. فقد كان الحظر الأممي على تصدير الأسلحة إلى إيران، المفروض منذ عام 2006، قد عُلّق عام 2015 في إطار الاتفاق النووي، قبل أن يُعاد فرضه في سبتمبر/أيلول 2025. وحتى الآن، لم تؤكد الصين رسمياً وجود هذه المفاوضات.

صواريخ CM-302 المضادة للسفن فوق الصوتية
دعم دبلوماسي راسخ
على الساحة الدولية، تؤدي بكين دور الدرع الدبلوماسي لطهران. ففي مجلس الأمن الدولي، عارضت الصين مراراً القرارات الأكثر تشدداً المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني. وفي سبتمبر/أيلول 2025، وخلال عرض عسكري في بكين، أكد شي جين بينغ لنظيره الإيراني مسعود بزشكيان دعم الصين لإيران في الدفاع عن سيادتها وسلامة أراضيها. وفي الشهر التالي، وقّعت بكين وموسكو وطهران رسالة مشتركة اعتبرت أن إعادة فرض العقوبات الأممية غير مبررة.
محور في نظام عالمي يعاد تشكيله
تبدو إيران اليوم في قلب تنافس استراتيجي متصاعد بين واشنطن من جهة، وموسكو وبكين من جهة أخرى. وقد عكست عضوية إيران في منظمة شنغهاي للتعاون عام 2023، إلى جانب مباحثاتها حول مجموعة بريكس، هذا التحول التدريجي في تموضعها الدولي. أما التعاون العسكري الصيني-الإيراني، الذي ظل طويلاً بعيداً عن الأضواء، فيندرج الآن ضمن مشروع أوسع لإعادة توازن النظام الدولي.
في المحصلة، لا تمثل الشراكة بين إيران والصين تحالفاً أيديولوجياً بقدر ما هي زواج مصلحة تدعمه تقاطعات اقتصادية وجيوسياسية واضحة. غير أن الصفقة المحتملة لصواريخ CM-302 تمثل تحوّلاً نوعياً مهماً: إذ يبدو أن بكين باتت مستعدة لتحمل كلفة دعم عسكري مباشر لطهران، حتى لو استلزم ذلك تحدي الحظر الأممي. رهان محفوف بالمخاطر، لكنه يكشف عمق التحولات الجارية في النظام العالمي.
