أسبيدس في البحر الأحمر : الدرع البحري الأوروبي في مواجهة الحوثيين

بدأت القصة في 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، عندما اعترض الحوثيون في اليمن السفينة التجارية «غالاكسي ليدر»، المرتبطة برجل أعمال إسرائيلي، واحتجزوا طاقمها المؤلف من 25 بحارًا كرهائن. وبرّر المهاجمون عمليتهم بأنها تأتي «تضامنًا مع سكان قطاع غزة» على خلفية الحرب بين إسرائيل وحماس.

شكّلت هذه العملية نقطة الانطلاق لموجة غير مسبوقة من الهجمات المنهجية على الملاحة التجارية العالمية. فقد انخفضت حركة المرور في البحر الأحمر، التي كانت تمثل 13٪ من التجارة العالمية، و30٪ من حركة الحاويات، و21٪ من تجارة الطاقة، إلى النصف تقريبًا، ما أدى إلى تداعيات اقتصادية فورية وعلى نطاق عالمي.

ولادة «أسبيدس» : الدرع الأوروبي

في مواجهة هذا التهديد المتصاعد، تحرك الاتحاد الأوروبي بشكل جماعي، وأطلق رسميًا في 19 فبراير/شباط 2024 مهمة بحرية في البحر الأحمر تهدف إلى «استعادة حرية الملاحة والحفاظ عليها». واختير اسم «أسبيدس» — الذي يعني «الدرع» باليونانية القديمة — ليعكس الطبيعة الدفاعية الصارمة للمهمة.

وبعد عمليتي «أجينور» في الخليج ومضيق هرمز، و«أتلانتا» في خليج عدن والمحيط الهندي، تسعى «أسبيدس» إلى تحقيق هدفين رئيسيين: حماية حركة الملاحة التجارية، والمساهمة في ضمان حرية الملاحة في المنطقة. ويشارك في المهمة 21 دولة عضوًا في الاتحاد الأوروبي، غير أن خمس دول فقط نشرت سفنًا حربية، هي فرنسا، وإيطاليا، وألمانيا، وبلجيكا، وهولندا.

تفويض دفاعي وآلية مرافقة دقيقة

تُعد «أسبيدس» مهمة دفاعية بحتة. ويوضح الأدميرال جان-مارك بوردييه، نائب قائد العملية، أن «التفويض الممنوح للمهمة دفاعي حصريًا، وأي استخدام للقوة يهدف فقط إلى حماية السفن التي تطلب المرافقة من الصواريخ أو الطائرات المسيّرة المحتمل استهدافها بها».

تعتمد المهمة على تنظيم السفن التجارية ضمن قوافل محمية، مع تموضع فرقاطة مسلحة بصواريخ «أستر» في موقع خلفي يوفر حماية فورية وغير ظاهرة، إضافة إلى نشر مروحيات للمراقبة الموسعة والاستجابة السريعة، وتحديد جداول عبور مدروسة تسمح بتأمين تغطية دفاعية مركّزة.

وتكمن خصوصية البحر الأحمر في ممراته البحرية الضيقة والإلزامية، مثل مضيق باب المندب، والمياه الضحلة، وجزر حنيش، ما يمنح الحوثيين أفضلية في رصد أهدافهم. وردًا على ذلك، طوّرت الأطقم البحرية مناورات خداعية وتكتيكات حركة ومسارات زمنية وجغرافية مدروسة للحد من المخاطر.

وقد جسّدت الفرقاطة الفرنسية «الألزاس» هذا النهج خلال انتشارها الأول بين يناير/كانون الثاني وأبريل/نيسان 2024، حيث نجحت في مرافقة 19 سفينة تجارية بأمان، إلى جانب تنفيذ دوريات استخباراتية لفهم أساليب الاستهداف الحوثية.

اشتباكات مكثفة وأرقام عملياتية لافتة

على صعيد الاعتراضات، تعكس الحصيلة حجم النشاط العملياتي. فقد جرى تدمير 18 ذخيرة موجّهة عن بعد، و4 صواريخ باليستية، وطائرتين مسيّرتين بحريتين. وكان للفرقاطات الفرنسية، إلى جانب طائرات «ميراج 2000-5» المتمركزة في جيبوتي، دور محوري في هذه العمليات، حيث أسقطت نحو عشرة طائرات مسيّرة.

ومن أبرز المحطات، إسقاط أربع طائرات مسيّرة انتحارية، قبل أن تحقق الفرقاطة «الألزاس» في 21 مارس/آذار 2024 سابقة تاريخية بتدمير ثلاثة صواريخ باليستية كانت تستهدف سفينة حاويات تحت حمايتها.

وفي أبريل/نيسان 2025، نجحت فرقاطة فرنسية أخرى في إسقاط طائرة مسيّرة قادمة من اليمن باستخدام مدفعها البحري عيار 76 ملم، القادر على إطلاق 120 طلقة في الدقيقة.

مهمة إنقاذ في قلب النزاع

لم تقتصر «أسبيدس» على العمليات العسكرية، بل اضطلعت أيضًا بمهام إنقاذ إنسانية. ففي 21 أغسطس/آب 2024، تعرضت ناقلة النفط اليونانية «سونيون»، المحمّلة بـ150 ألف طن من النفط، لهجوم أدى إلى اندلاع حريق هائل. وتمكنت الفرقاطة الفرنسية «شوفالييه بول» من إنقاذ أفراد الطاقم الـ29، فيما جرى سحب السفينة لاحقًا بواسطة شركات خاصة تحت حماية «أسبيدس»، دون تسجيل أي تلوث بحري.

لكن المهمة شهدت أيضًا خسائر بشرية. ففي يوليو/تموز 2025، أسفر هجوم حوثي على السفينة «إيترنيتي سي» عن مقتل ثلاثة بحارة، وإنقاذ أربعة آخرين، وإصابة اثنين، بينما فُقد 12 شخصًا أو اختُطفوا. وفي سبتمبر/أيلول 2025، تدخلت فرقاطات فرنسية لإجلاء بحارة مصابين من السفينة «مينيرفاغراخت» بعد تعرضها لضربة صاروخية.

حصيلة عملياتية واسعة التأثير

تعكس الأرقام الإجمالية حجم الجهد الأوروبي، إذ جرى دعم أكثر من 640 سفينة تجارية، بينها 370 سفينة تلقت مرافقة مباشرة، وإنقاذ 50 بحارًا. وأسهمت هذه العمليات في انتعاش جزئي لحركة الملاحة، حيث ارتفع عدد السفن العابرة يوميًا إلى نحو 36-37 سفينة بحلول يونيو/حزيران 2025، مقارنة بذروة الانخفاض في أغسطس/آب 2024، رغم أن هذه الأرقام لا تزال دون مستويات ما قبل الأزمة التي تراوحت بين 72 و75 سفينة يوميًا.

تفويض ممدد… واستحقاق وشيك

في 14 فبراير/شباط 2025، قرر مجلس الاتحاد الأوروبي تمديد تفويض «أسبيدس» حتى 28 فبراير/شباط 2026، بميزانية تجاوزت 17 مليون يورو. وشمل التمديد توسيع نطاق المهمة ليشمل جمع المعلومات حول تهريب الأسلحة و«الأساطيل الشبحية»، ومشاركة هذه البيانات مع الجهات الأوروبية والدولية المختصة.

واليوم، في 18 فبراير/شباط 2026، يتبقى عشرة أيام فقط على انتهاء التفويض، دون إعلان رسمي عن تمديده حتى الآن. ومع ذلك، يبدو التجديد مرجحًا، في ظل استمرار التهديد الحوثي رغم وقف إطلاق النار، وتردد شركات الشحن في العودة الكاملة إلى البحر الأحمر، إضافة إلى تقليد أوروبي راسخ بتمديد العمليات البحرية طويلة الأمد، كما هو الحال مع عملية «أتلانتا» المستمرة منذ عام 2008.

كما تجري مناقشات داخل الاتحاد الأوروبي لدمج عمليات «أتلانتا» و«أجينور» و«أسبيدس» ضمن إطار عملياتي موحّد، ما قد يمهّد لإعادة هيكلة شاملة للوجود البحري الأوروبي.

خاتمة : «أسبيدس» وبداية تشكّل دفاع بحري أوروبي

خلال عامين فقط، فرضت عملية «أسبيدس» نفسها كواحدة من أبرز العمليات البحرية في تاريخ الاتحاد الأوروبي الحديث، مؤكدة قدرة أوروبا على التحرك جماعيًا لحماية مصالحها الاقتصادية في مواجهة تهديدات غير تقليدية. وفي ظل بيئة دولية متزايدة الاضطراب، قد تشكّل هذه المهمة، سواء استمرت بشكل مستقل أو ضمن إطار أوسع، نواة سياسة دفاع بحري أوروبية دائمة في المستقبل.

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading